فهرس الكتاب
[19] الروح، وبهذا التقدير تكون فعالة. وأيضا: فلا يبعد أن يقال: إن تلك العقول، يكون بعضها أدنى حالا من البعض، فيستكمل الناقص منها بالكامل، كما أن الشمس والقمر، وإن كانا في العالم الجسماني جوهرين علويين شريفين، إلا أن القمر، لما كان أضعف حالا من الشمس لا جرم صار يقبل النور عن الشمس. ثم إنه بعد قبول النور عن الشمس، يصير فياضا، لتلك الأنوار على العالم السفلي، فلا يبعد أن يكون حال الروحانيات كذلك.
وأما القسم الثاني من أقسام الأرواح: فهم الذين التفتوا إلى تدبير عالم الأجسام. وما بالغوا في الاستغراق في خدمة الجانب الأعلى إلى حيث يمنعهم عن التعلق بالجانب الأسفل، وهؤلاء هم الملائكة العملية. وفي مصطلحات الفلاسفة هم المسمون بالنفوس.
ثم إن هذا القسم متفاوتون أيضا في درجات الشرف والكمال. فكل من كان تعلقه بجسم أشرف وأعلى، كان هو في ذاته أشرف [1] وأعلى. ولما كان أعظم الأجسام هو العرش، لا جرم كان أعظم الأرواح المتعلقة بعالم الأجسام هو الروح المتصرف في العرش، ولا يبعد أن يكون المسمى بالروح الأعظم هو ذلك الروح، وهو المسمى أيضا: بالنفس الكلية في مصطلحات الفلاسفة، لأن تلك النفس بدنها العرش [2] ، وكل ما حصل في داخل العرش، فكأنه جزء من أجزائه، وشعبة من شعبه. وكذلك النفوس المدبرة لتلك الأجسام تكون شعبة من شعب تلك النفس، ونتيجة من نتائجها.
ثم المرتبة الثانية من مراتب النفوس: النفس المدبرة للكرسي، كما قال في الكتاب الإلهي: منْ ذا الّذِي يشْفعُ عِنْدهُ إِلّا بِإِذْنِهِ؟ إلى قوله تعالى:
وسِع كُرْسِيُّهُ السّماواتِ والْأرْض [3] والسبب في تسمية الفلك الثامن بالكرسي: أن الكرسي جسم حصل فيه درجات متفاوتة بالدنو والعلو، لأن
(1) أعلى وأبهى (طا) ، (ل) .
(2) بنفس الكل (ل) .
(3) البقرة 255.