فهرس الكتاب

الصفحة 1666 من 2479

[131] الحجة الثانية: وهي قريبة مما تقدم. إنا نرى جميع طوائف العالم، وجميع الفرق متفقين على أنه إذا مات إنسان. فإن اعتقدوا فيه أنه كان حال الحياة، موصوفا بالصفات المحمودة: ذكروه بالرحمة والتعظيم، فتارة يقولون: صلوات الله عليه. وتارة يقولون: رحمة الله عليه. وإن اعتقدوا فيه أنه كان [حال الحياة [1] ] موصوفا بالصفات المذمومة من الجهل والشرور والإيذاء: ذكروه باللعن والخزي والعذاب. ولو قدرنا أن الإنسان لم يبق حيا بعد موت البدن، لكان هذا الكلام عبثا باطلا، فإن من لا يكون حيا، استحال اتصال الرحمة والروح والراحة إليه، واستحال أيضا إيصال الذم واللعن إليه. ولو كان الأمر كذلك، لكان أهل المشرق والمغرب من الزمان الأقدم إلى هذا الزمان مطبقين على الفعل الباطل [والقول الفاسد، وهذا بعيد. فإن إطباق الخلق العظيم على العلم الباطل [2] ] غير ممكن. فهذا يدل على أن فطر النفوس وبدائه العقول شاهدة بأن الإنسان شيء آخر غير هذا البدن، وأنه يبقى بعد موته حيا، فإن كان سعيدا كان أهلا للرحمة، وإن كان شقيا كان أهلا للعنة.

الحجة الثالثة: إنه جرت عادة العقلاء بأنهم يذهبون إلى المزارات المتبركة ويصلون ويصومون عندها، ويدعون الله في بعض المهمات، فيجدون آثار النفع ظاهرة، ونتائج القبول لائحة.

يحكى أن أصحاب «أرسطاطاليس» كانوا كلما صعبت عليهم مسألة، ذهبوا إلى قبره، وبحثوا فيها، فكانت تنكشف لهم تلك المسألة، وقد يتفق أمثال هذا كثيرا، عند قبور الأكابر من العلماء والزهاد [في زماننا [3] ] ولولا أن تلك النفوس باقية بعد موت الأبدان، وإلا لكانت تلك الاستعانة بالميت الخالي عن الحس والشعور [عبثا [4] ] وذلك باطل.

ومما يقوي هذا: هو أن الأحياء قد يصلون لأجل الأموات، وقد يتصدقون لأجلهم. وقد يتفق كثيرا [5] : أن الحي إذا نام عند قبر بعض

(1) سقط (ط) .

(2) سقط (م، ط) .

(3) من (م) .

(4) من (م) .

(5) هذا الاستدلال لا يليق بعقل المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت