فهرس الكتاب
[223] عن طلب الرئاسة [في الدنيا [1] ] والتفوق على الأقران، فإنه يعظم قدر هذا الإنسان في عقولهم. وترى الطالبين لهذه اللذات يخدمون ذلك الإنسان، المعرض عنها، خدمة العبيد للأرباب، ويعدون أنفسهم بالنسبة إلى أولئك المعرضين، كالبهائم بالنسبة إلى الملائكة.
حتى إن المزور إذا أراد استتباع الخلق، أظهر من نفسه على سبيل التزوير قلة الرغبة في هذه الخيرات البدنية، والراحات الجسمية، ويتوصل بها إلى استخدامهم، والأمر والنهي عليهم. وهذا يدل على أن تقرر في عقول جميع الخلق: أن التقليل من هذه اللذات، يوجب الكمال، وأن التكثير منها يوجب النقصان. والمقدمة التي شهدت بصحتها بدائه العقول، وصرائح الأفكار، لا بد وأن تكون مقدمة حقة يقينية.
إذا ثبت هذا فنقول: لو لم تكن النفس باقية، لكان كمال السعادة في الاستكثار من هذه اللذات، وكمال الشقاوة في التقليل منها. والتالي كاذب، فالمقدم كاذب مثله. بيان الشرطية: إن السعادة والبهجة لا معنى لها، إلا ما يوجب اللذة والسرور. وهذه اللذة والسرور إما أن تحصل بعد الموت، أو قبل الموت. فإن كانت النفس لا تبقى بعد موت البدن، امتنع حصول اللذة والبهجة والسرور بعد موت البدن، فلم يبق للسعادة حصول إلا قبل الموت، فوجب أن يكون الاستكثار من هذه اللذات والخيرات، استكثارا من السعادة، والتقليل منها تقليلا من السعادة. وذلك يدل على صحة ما قلنا: إنه لو لم تكن النفس باقية، لكان كمال الإنسان [2] : من الاستكثار من هذه اللذات البدنية، والراحات الجسمانية. وقد بينا في المقدمة [الأولى [3] ] أن هذا باطل، فوجب أن يكون القول بأن النفس غير باقية باطلا قطعا.
واعلم: أنا نكتب فصلا طويلا في بيان أن السعادات النفسانية أعني
(1) من (ل، طا) .
(2) السعادة (ل) .
(3) سقط (طا، ل) .