فهرس الكتاب
[227] وهذا هو الذي قاله الإمام الأجل «علي بن أبي طالب» رضي الله عنه وأرضاه:
قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأموات. قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي، فالخسار عليكما والحجة الثالثة من الوجوه الإقناعية في بقاء النفس بعد موت البدن: إنا نرى أهل المشرق والمغرب من الزمان الأقدم، إلى الآن: مطبقين على ذكر موتاهم. تارة بالصلاة والرحمة والخير، إن اعتقدوا فيهم الظلم والجور. ولو لم تكن النفس باقية بعد موت البدن، لكان هذا الكلام باطلا. لأن الصلاة والدعاء والرحمة تضرع إلى إله [1] العالم في إيصال خير إليه، واللعن والشتم طلب من إله العالم إيصال شر وعذاب إليه. ولو كانت النفس تموت بموت البدن وتعدم عند عدمه، لكان إيصال الخير والشر إليه محالا. فيلزم أن يقال: إن جميع أهل العالم من الزمان الأقدام، قد أطبقوا على الباطل [ومعلوم: أن ذلك بعيد [2] ].
فإن قالوا: إن هذا الدعاء وهذا الشتم، إنما يذكره أرباب الملل والنحل لجهلهم بحقائق الأشياء، وأما الحكيم العاقل الكامل فإنه لا يفعله البتة.
فنقول: إن ذلك الذي نسميه بالحكيم الفاضل الكامل إذا غفل عن شبهاته وضلالاته، وعاد إلى أصل فطرته، ومقتضى طبيعته [3] الأصلية، فإن كان قد ناله خير كثير من إنسان، ومات ذلك الإنسان، فإنه إذا تذكر ما وصل إليه من الخيرات، فلا بد وأن تحمله فطرته الأصلية على أن يذكره بالرحمة والدعاء. وإن كان قد ناله منه شر كثير، فإذا تذكر تلك الأحوال، فلا بد وأن يذكره باللعن والشتم. وذلك يدل على أن مقتضى الفطرة الأصلية هو الإقرار
(1) إلى الله في (ل) .
(2) سقط (ل، طا) .
(3) جبلته (م) .