فهرس الكتاب
[229] زمانا طويلا مع ضعفه ورخاوته، وكل بناء بني للدنيا مثل قصور الملوك والأكابر، فإنه ينهدم في أسرع مدة مع غاية قوته [وإنا نرى أهل الزهد والطاعة والعلم، يبقى ذكرهم بعد موتهم دهرا داهرا وزمانا طويلا [1] ] وأيضا: نرى أن ثياب أهل الزهد والطاعة والعلم تبقى بعد موتهم دهرا داهرا وزمانا طويلا [وتبقى آثارهم وبلياتهم زمانا طويلا [2] ] مع أنها تكون في غاية الرخاوة والضعف. ولقد رأيت سجادة متخذة من الخرق الضعيفة، بقيت بعد موت صاحبها مائة وعشرين سنة، بل نقول: بقاء ثوب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بقي نيفا وستمائة سنة. وأما ثياب الملوك والسلاطين فإنها مع غاية شرفها وصفاقتها، تفنى في أقل مدة. وأيضا: نرى الرجل العالم أو الزاهد مع فقره وغاية ضعفه وعدم التفات الناس إليه، يبقى ذكره [بعد موته مئات وألوفا من السنين، وأما الجبابرة والسلاطين فإنه لا يبقى ذكرهم [3] ] في الدنيا إلا أياما قلائل. ثم إنها تنقرض وتزول، ولا يبقى منهم في الدنيا لا أثر ولا خبر.
إذا عرفت هذا فنقول: هذا الاستقراء يدل على أن كل ما له تعلق بحضرة الجلال، فإنه يبقى بحسب قوة ذلك التعلق، وكل ما له تعلق بعالم الجسم والهيولى [4] ، فإنه يكون سريع الدثور والفناء. إذا ثبت هذا فنقول: إن النفس الناطقة إذا أشرقت بنور معرفة واجب الوجود، وتقوت بتلك القوة التي لا نهاية لها في العدة والشدة والمرة، وجب أن تبقى بقاء مصونا عن الفساد، دائما بدوام السبع الشداد. وتمام التقريب: إني لما رأيت نظرت تلك السجادة المركبة من تلك الخرق السخيفة، وأنها بقيت مدة مائة وعشرين سنة، قلت في نفسي: امتياز هذه الخرق السخيفة بهذا البقاء عن سائر الثياب الصفيقة النفيسة، إنما حصل لأجل أنه اتفق أنه وقع عليها رجل ذلك الرجل الذي كان مدبر بدنه: نفسا أشرقت بنور معرفة الله تعالى فلأجل هذا التعلق البعيد،
(1) من (م) .
(2) من (م) .
(3) سقط (م) .
(4) والقبول (م) .