فهرس الكتاب
[319] وأما بيان أنه يمتنع كونها من الأجسام اللطيفة فذلك لأنها لو كانت كذلك، لتفرقت وتمزقت عند هبوب الرياح القوية العاصفة، فكان يجب أن تموت بأسرع الأسباب، وأقل الموجبات. وأيضا: فالأجسام اللطيفة لا تكون قادرة على الأفعال الشاقة. والناس يصفونها بالقدرة على الأعمال الشاقة. ولما ثبت فساد القسمين، ظهر أن القول بإثبات الجن والشياطين: باطل.
الحجة الثانية: إنا نرى المسلمين مطبقين على لعن الشياطين، وإساءة القول فيهم، ولو كانوا موجودين لتأذوا منهم. فإذا كانوا قادرين على الإضرار، وجب أن يكون وقوع أهل الخير والدين في الضرر من جانبهم، أكثر وأعظم من وقوع أهل الفساد فيه، وحيث لم يظهر من هذا الباب أثر ولا خبر، علمنا: أنه لا أصل لهذا الحديث.
الحجة الثالثة: إن أرباب الملل والنحل أطبقوا على تصديق الأنبياء عليهم السلام في دعواهم: أنهم مبعوثون إلى الخلق من قبل الله تعالى. والقول بالجن يوجب فساد دعواهم. لأنا لا نعرف الجن. وإذا كنا لا نعرفهم، لم نعرف مقادير علومهم، ولا مقادير قواهم وقدرهم. وعلى هذا التقدير، فلا نوع من أنواع المعجزات، إلا ويحتمل أن يكون ذلك النوع، من هؤلاء الجن والشياطين. وحينئذ لا يبقى دليل على صحة قولهم في ادعاء الرسالة. فثبت:
أن الإقرار بالجن والشياطين، يوجب الطعن في النبوة.
فإن قالوا: هذا كلام ضعيف في دفع ذلك الإشكال القوي، إذ لا يمتنع ممن يريد الإغواء والإضلال: أن يتحمل ذلك القدر من الطعن واللعن في تحصيل مراده.
الحجة الرابعة [1] : إنا نرى أرباب العزائم والتنجيمات واقعين في الفقر والجوع والعري، والذلة والمسكنة. ولو كان لهذا الحديث أصل، لكان الظاهر من حال أولئك الجن أن يخصوا أنصارهم وأحباءهم وهم هؤلاء المعزّمون
(1) الحجة الأولى: إنها لو كانت موجودة لكانت. إنا نرى إلخ (م) .