فهرس الكتاب
[340] مختلفة. فإذا اختلفت تلك التصورات، اختلفت تلك الإرادات. فظهر الفرق بين الصورتين. فهذا هو الحجة البرهانية في المسألة. وما سواها وجوه إقناعية.
وما بها بأس.
الحجة الثانية: إنا رأينا أن أكثف الأجسام وأشدها ظلمة هو الأرض.
فلا جرم كانت في غاية البعد عن قبول الحياة. فلما امتزجت بسائر العناصر، حصل فيها نوع من اللطافة والاعتدال. وبسبب حصول ذلك القدر من اللطافة والاعتدال استعدت لقبول قوة الحياة. ثم إن الماء ألطف من الأرض، فلا جرم صارت الطبيعة المائية، أقرب إلى قبول الحياة من الطبيعة الأرضية. ولهذا السبب فإنه أينما حصل الماء وامتزج بالأرض، تولد منه أنواع النبات وأنواع الحيوان.
وأما الهواء فإنه أرق من الماء وألطف منه، فلذلك صار مادة للحياة، حتى أن قوما ظنوا أنه لا معنى للروح والنفس إلا هذا الهواء المتردد.
وأما النار الصرفة البسيطة الجارية مجرى الحرارة الغريزية، فلا شك أنها هي السبب الكامل لحصول الحياة. ولذلك قالت الأطباء: أن القوة الحيوانية والحرارة الغريزية متلازمتان. فهذا الاستقراء يدل على أن الجسم كلما صار أبعد عن الكثافة العنصرية، وأقرب إلى اللطافة، والحرارة المعتدلة: صار أولى بقبول الحياة. ومعلوم: أن الأجرام الفلكية في غاية اللطافة والشفافية، والنور والاعتدال. فوجب أن تكون تلك الأجسام، أولى الأجسام بقبول الحياة والإدراك.
الحجة الثالثة من الوجوه الإقناعية: إن النفس الحيوانية لها قوتان: قوة الحس، والحركة الإرادية.
أما قوة الحس: فإنها تحصل بواسطة أجرام لطيفة نورانية، تنزل من القلب والدماغ في الشرايين والأعصاب، فتفيدها قوة الحس والحياة. فذلك