فهرس الكتاب
[38] البديهي كان كالفرع القادح في الأصل، وكل ما كان كذلك كان فاسدا.
فعلمنا: أن العلوم الكسبية يمتنع كونها قادحة في العلوم البديهية، ثم لما أردنا أن نبحث عن حقيقة العلوم البديهية، لم نجد لها معنى إلا العلم الحاصل في النفس ابتداء، على سبيل الجزم، من غير أن يقدر الإنسان على تشكيك نفسه فيه، وكل ما كان كذلك كان علما بديهيا. إذا عرفت هذه المقدمة.
فنقول: إنا إذا رأينا إنسانا شابا قطعنا بأنه كان جنينا في رحم أمه، ثم بعد الانفصال من رحم أمه، كان طفلا، ثم صار شابا. ولو أن قائلا قال: إنه ما كان كذلك، بل إنه حدث الآن شابا، من غير هذه المقدمات والسوابق.
قطعنا: بأنه كاذب في هذا القول، وجزمنا بأن الذي يقوله: باطل وبهتان.
فلما كان هذا الجزم حاصلا ابتداء، من غير أن يستفاد ذلك الجزم من دليل متقدم، ومن قياس سابق، علمنا: أنه جزم بديهي، وعلم أولي، وإذا ثبت هذا فنقول: لو قلنا: إن حدوث إنسان شاب، ابتداء من غير تلك المقدمات والسوابق ممكن لزم أن يحصل مع هذا التجويز ذلك القطع والجزم. لكنا بينا أن ذلك القطع والجزم بديهي فثبت أن الحكم بهذا التجويز حكم نظري، يوجب القدح في البديهي. وقد بينا: أن كل ما كان كذلك، فإنه باطل، فوجب أن يكون الحكم بهذا التجويز باطلا. فيثبت بهذا الطريق: أن القول بانخراق العادات عن مجاريها: قول باطل. إذا عرفت هذا الأصل فلنذكر له أمثلة.
المثال الأول: لو أن إنسانا جوز أن تنقلب مياه البحر والأودية دما عبيطا وأن تنقلب الجبال ذهبا إبريزا، لقضى كل عاقل بالجنون عليه.
المثال الثاني: لو أن إنسانا [1] جوز أن ينقلب الحمار الذي في بيته إنسانا حكيما محيطا بدقائق المنطق والهندسة، مدرسا فيها، وأن تنقلب ما في الدار من الخنافس والديدان: أناسا، حكماء فضلاء، وجوز إنه إذا رجع إلى بيته، وجد حماره قائما مقام بطليموس في تدريس كتاب المجسطي ووجد الخنافس
(1) لو أننا جوزنا (ت، ط) .