فهرس الكتاب
[39] والديدان: علماء فضلاء، يبحثون مع ذلك الحمار في دقائق الهندسة والمنطق والإلهيات، لقضى كل عاقل عليه بأعظم أنواع الجنون.
المثال الثالث: لو أن إنسانا شاهد مغارة خالية عن جميع أنواع العمارات، ثم جوز أن يحصل فيها قصور عالية، وأبنية رفيعة، وأنهار جارية، من غير أن يتكفل بتلك العمارات أحد من البشر، ومن غير إحضار الخشب واللبن والمسامير، لقضى كل عاقل عليه بالجنون. فيثبت: أن بدائه العقول قاضية بوجوب استمرار هذه الأحوال على مناهجها الأصلية، ومجاريها المألوفة المعتادة، وثبت أن تجويز انقلابها عن مجاريها يقدح في العلوم البديهية، فوجب أن يكون القول به باطلا.
الوجه الثاني في بيان أن ذلك محال: أن نقول: اختصاص كل جسم بصفته المعينة، إما أن يكون لأجل أن اختصاصه بتلك الصفة واجب، أو إن لم يكن واجبا، لكنه أولى من غيره، أو لم يحصل هذا الوجوب، ولا هذه الأولوية. فإن حصل مع الوجوب، كان محالا، وإن حصل مع الأولوية فتلك الأولوية إن كانت لنفس الذات، امتنع زوالها، وإن كان حصولها لصفة أخرى، كان الكلام في الثاني كما في الأول، فيلزم أن يكون حصول أولوية كل صفة، لأجل تقدم صفة أخرى لا إلى أول. وذلك يوجب القول [بقدم العالم، وهذا يبطل القول [1] ] بالنبوة. وأما القسم الثالث: وهو أن يقال:
اختصاص كل جسم بصفته المعينة، لأجل أن الفاعل المختار، خصصه بتلك الصفة من غير مرجح أصلا. فنقول: إذا جوزتم هذا، فجوزوا أيضا أن يخلق تلك المعجزة لا لمرجح أصلا، وذلك يقدح في قولنا إنه إنما خلق المعجز لأجل التصديق.
وإذا ثبت هذا فحينئذ يخرج المعجز من أن يكون دليلا على الصدق.
فالحاصل: أن اختصاص كل جسم بصفته المعينة. إن كان على سبيل الوجوب
(1) سقط (ت) .