فهرس الكتاب
[99] خارجة عن الحد والإحصاء، موافقة لهذا المطلوب.
وأما الأصل الثالث: فهو أن تعلم أن تحسين العقل وتقبيحه باطل، لا عبرة به، ولا التفات إليه، في أفعال الله تعالى، وفي أحكامه.
وإذا عرفت هذه الأصول الثلاثة، فحينئذ يظهر القول بصحة النبوات، ظهورا، لا يبقى فيها شك ولا شبهة. وتقريره: أن نقول: فاعل جميع هذه المعجزات هو الله تعالى [لأنا بينا في الأصل الأول أنه لا مؤثر ولا موجد ولا مكون إلا الله تعالى [1] ] ثم نقول: وإنه تعالى إنما خلقها لأجل تصديق هذا المدعي. فأما قولهم: إنه يجوز أن يكون قد خلقها لأغراض أخرى. فنقول:
ذلك التجويز قائم في الجملة. لأنا نقول: قد بينا أن قيام تجويز الوجوه الكثيرة قد لا يمنع من حصول القطع والجزم بواحد منها، كما ذكرناه في المثال في القسم الثالث [2] فندعي: أن الأمر في هذه المسألة كذلك.
والدليل عليه: أن موسى عليه السلام لما أمر القوم ببعض التكاليف، فأبوا، وأصروا طلب من الله تعالى أن يوقف الجبل فوق رءوسهم. ثم إنهم كانوا يشاهدون أنهم كلما قصدوا الطاعة والامتثال، فذلك الجبل، يتباعد عن رءوسهم، وكلما قصدوا العود إلى العتو والإصرار والكفر. فذلك الجبل يقرب منهم بحيث خافوا من وقوعه عليهم. ومن المعلوم أن حصول هذه الحالة على هذا الوجه، يفيد العلم الضروري بأنه تعالى إنما أوقف الجبل فوق رءوسهم، لأجل أن يتبادروا إلى الطاعة والامتثال. وتجويز أن يكون الغرض من إظلال ذلك الجبل. شيئا آخر سوى هذا المقصود، لا يقدح في حصول العلم الضروري، بأنه لا مقصود منه سوى ذلك. فإنا قد بينا أنه قد يحصل القطع والجزم مع قيام مثل هذا التجويز. فثبت بالأصل الأول [3] : أن خالق كل المعجزات هو الله تعالى، وثبت بالأصل الثاني: أنه لا حكمة لله تعالى في خلق تلك المعجزات، إلا التصديق. وهذا يفيد العلم اليقيني بأن الله تعالى إنما
(1) سقط (ت) .
(2) في المثال (ط) من الثالث (ل) ، (طا) .
(3) فثبت بهذه الأصول (ت، ط) .