فهرس الكتاب
[32] الحجة الرابعة: إنه إذا حصل ترجيح الوجود، ثم فرضنا أن بقاء هذا الترجيح حصل العدم فحينئذ يكون ذلك العدم حاصلا، لا بترجيحه ولا بإبقائه، فإن كان ذلك الترجيح لمرجح آخر، فيكون هذا اعترافا بأن ترجيح العبد لا أثر له في اقتضاء الرجحان، وإنما المؤثر في الرجحان ترجيح غيره. فإن قلنا: بأن ذلك الترجيح وقع لا لمرجح أصلا، كان هذا قولا بأن ذلك العدم إنما ترجح لمحض الاتفاق من غير مرجح أصلا. إلا أن القول بالاتفاق يوجب القول بالجبر على ما بيناه غير مرة ويوجب نفي الصانع، ونفي جميع الآثار والمؤثرات.
لا يقال: لم لا يجوز أن يقال: إن العبد إذا رجح جانب الوجود فهذا الترجيح إن بقي بحيث لا يعارض ترجيح مرجح آخر، وقع الفعل. وإن عارضه ترجيح مرجح آخر، فحينئذ خرج عن مضاد [1] العقل؟ لأنا نقول: إذا بقي ذلك الترجيح، خاليا عن العوارض. فإن وجب ترتب الأثر عليه، فذاك هو المقصود. وإن لم يجب ترتب الأثر عليه، فحينئذ أمكن أن يبقى ذلك القدر من الترجيح، مع انه لا يقع الوجود بل يقع العدم.
فحينئذ يلزم أن يكون ترتب الوجود عليه تارة، وترتب العدم عليه أخرى، لمحض الاتفاق. وذلك يوجب نفي التأثير والمؤثر. ويوجب القول أيضا بالجبر.
الحجة الخامسة: الترك ترك. وهذا يفيد أن العلم الضروري حاصل، بأن القادر إذا شاء الفعل، ولم يكن هناك مانع، فإنه لا بدّ وأن يفعل. وإذا شاء الترك ولم يكن هناك مانع، فإنه لا بد وأن يترك. ولا نرى في الدنيا عاقلا يقول: إني إن شئت أن أفعل لم أفعل. وإن شئت أن لا أفعل فعلت. فثبت:
أن هذا دليل قاطع على أن جميع العقلاء يعلمون بالضرورة: أن القادر متى أراد الفعل، ولا مانع له عنه، فإنه يفعله لا محالة. وإذا أراد الترك، ولا مانع له عن الترك، فإنه يترك. وثبت: أن القول بحصول الفعل عند إرادة الترك،
(1) من امضاءات (م) .