فهرس الكتاب
[43] التصور، ترتبت تلك المراتب بعضها على بعض، بالغة ما بلغت، ترتبا واجبا لازما اضطراريا. وعند هذا يظهر أن الإنسان مضطر في اختياره، وأن جميع أفعال العباد: إما أفعال الله تعالى، أو موجبات أفعال الله تعالى. وعلى التقديرين [1] فالمطلوب حاصل.
واعلم: أن كل من رجع نفسه، واعتبر أحوال أفعاله وأعماله:
علم قطعا ويقينا: أن الأمر كما ذكرناه. وذلك لأنه إنما تحرك إلى جهة كذا، لأنه أراد تلك الحركة وإنما أراد الحركة إلى تلك الجهة لأنه اعتقد أن له في تلك الحركة منفعة. وإنما حصل ذلك الاعتقاد، لأنه رأى شيئا، فصارت تلك الرؤية سببا لتذكره: أن له في ذلك الفعل منفعة. وهلم جرا إلى جميع المراتب.
وبالجملة: فأفعال الجوارح مترتبة على أفعال القلوب [وأفعال القلوب [2] ] يستند بعضها إلى بعض. والأخير [3] يستند إلى أمور خارجية اتفاقية. مثل: إن وقع بصره على شيء، فتذكر شيئا. أو سمع صوتا فتذكر شيئا مع العلم الضروري بأن تلك الاتفاقات الخارجية: خارجة عن وسعه وطاقته. ثم إنا قد ذكرنا تلك الأشياء الستة التي بسببها تختلف أحوال الإنسان في عقائده وفي أخلاقه. فإذا انضمت تلك الأسباب الخارجية الاتفاقية، إلى هذه الأسباب الستة التي ذكرناها، ظهر حينئذ أن القول بالجبر لازم. ومثاله:
إذا اتفق أن نفس الإنسان وقعت في أصل خلقتها: نفسا شديدة الاستعداد للغضب. ثم اتفق ان كان مزاج بدنه: شديد الاستعداد للصفراء ثم اتفق أن كانت أعضاؤه: مواتية للقهر والاستعلاء. ثم اتفق أن كان قد نشأ فيما بين أقوام يستحسنون إمضاء الغضب، ويستحقون ترك تلك الأعمال. ثم اتفق أن صار بقاء دولته ورئاسته: معلقا بإمضاء أعمال الغضب.
(1) التقدير (م) .
(2) من (ط، ل) .
(3) وبالآخر (م، ط، ل) .