فهرس الكتاب
[45] أن يقال: الإنسان حال اجتماع تلك الأسباب الموجبة للأفعال الغضبية، وبراءتها عن الدواعي المعارضة لها، فإنه يمكن أن لا يأتي بتلك الأفعال؟.
فالحاصل: أنكم إن أردتم أن سلامة أعضائه [1] حال انضمام دواعي الترك إليها، بدلا عن دواعي الفعل. لأمكنه ذلك. فهذا مسلم. ولا يقدح في قولنا. وإن أردتم بأن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الفعل إليها، وكانت تلك الدواعي خالية عن المعارض، فإن مع التقدير يمكنه الترك. فهذا ممنوع. والعلم بامتناعه ضروري. ولما عرفت الكلام في هذا المثال، أمكنك اعتبار أحوال جميع الأحوال والأفعال. ولا فائدة في التطويل.
ولنختم هذا البرهان القاطع، بفصل منقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقوي ما ذكرناه.
روي أنه رضي الله عنه خطب [2] فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه «فإن سنح له الرجاء، أذله الطمع. وإن هاج به الطمع، أهلكه الحرص.
وإن ملكه اليأس، قتله الأسف وإن عرض له الغضب، اشتد به الغيظ.
وإن أسعده الرضى [نسى [3] ] التحفظ. وإن ناله الخوف، شغله الحذر
وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع وإن وجد مالا، أطغاه الغنى. وإن عضته الفاقة، شغله البلاء. وإن جهده الجوع، قعد به الضعف فكل
(1) الأصل: أعضائه محال لو انضمت إليها دواعي الترك بدلا الخ.
(2) نص الخطبة من كتاب «نهج البلاغة» طبعة دار التعارف ببيروت سنة 1402هـ صفحة 681:
لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة، هي أعجب ما فيه. وذلك القلب. وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها. فإن سنح له الرجاء أذله الطمع وإن هاج به الطمع، أهلكه الحرص.
وإن ملكه اليأس، قتله الأسف. وإن أعرض له الغضب، أشتد به الغيظ. وإن أسعده الرضى، نسى التحفظ. وإن ناله الخوف، شغله الحذر. وإن اتسع له الأمن، استلبته الغرة.
وإن أفاد مالا، أطغاه الغنى. وإن أصابته مصيبة، فضحه رجوع. وإن عضته الفاقة شغله البلاء. وإن جهده الجوع، فعد به الضعف. وإن أفرط به الشبع، كظته البطنة. فكل تقصير به: مضر، وكل إفراط له: «مفسد» اه.
(3) سقط (م) .