فهرس الكتاب
[48] الرابع: إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة:
بالإيمان، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله في كل ما أخبر عنه. ومما أخبر عنهم:
أنهم لا يؤمنون قط. فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط. وهذا تكليف بالجمع بين الضدين. وذلك لا يوجد البتة، ويمتنع وجوده. فثبت:
أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون: يستحيل صدور الإيمان عنهم، والذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون: يستحيل عدم الإيمان عنهم.
الخامس: إنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه. فقال: يُرِيدُون أنْ يُبدِّلُوا كلام اللهِ. قُلْ: لنْ تتّبِعُونا. كذلِكُمْ قال اللهُ مِنْ قبْلُ [1] .
فثبت: أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم وقوعه: قصد إلى تبديل كلام الله. وذلك منهي عنه [فلما أخبر الله عنهم: أنهم لا يؤمنون، كان القصد إلى تكوينه قصدا إلى تبديل كلامه. وذلك منهي عنه [2] ] وكان ذلك حاصلا، سواء حاول تكوين الإيمان أو لم يحاول. فثبت: أن الذي علم الله أنه لا يقع، وأخبر أنه لا يقع، كان وقوعه ممتنع الحصول.
فإن قيل: علم الله لا يقلب الجائز ممتنعا. ويدل عليه وجوه عقلية ووجوه سمعية.
أما الوجوه العقلية فعشرة: الأول: لو كان كذلك، لوجب أن لا يكون الله قادرا على شيء أصلا.
لأنه تعالى إن علم في الشيء أنه سيقع، كان واجب الوقوع. وما كان واجب الوقوع لم يكن له في وقوعه حاجة إلى المؤثر، فكان ينبغي أن يستغني وقوعه عن قدرة الله تعالى. فإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة
(1) سورة الفتح، آية: 15 [أنظر مجمع البيان، ولاحظ رأي الجبائي] .
(2) سقط (ط) .