فهرس الكتاب
[180] يفْعلُ ما يُرِيدُ [1] ولا نزاع أنه تعالى أراد الإيمان. أما عندكم فمن الكل. وأما عندنا فمن المؤمن. فوجب أن يكون هو الفاعل لإيمانه، بحكم هذا النص.
وإذا ثبت هذا، ثبت أنه هو الفاعل للكفر. ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
فإن قيل: المراد أنه «فعّالٌ لِما يُرِيدُ» فعله. فلم قلتم: إنه تعالى يريد أن يفعل فعل العبد، فإن ذلك أول المسألة؟ قلنا: قوله تعالى: فعّالٌ لِما يُرِيدُ يتناول كل ما يريد وجوده، وما ذكرتموه يفيد. خلاف الظاهر.
الحجة الخامسة: قوله تعالى: إِنّما قوْلُنا لِشيْءٍ، إِذا أردْناهُ. أنْ نقُول لهُ: كُنْ فيكُونُ [2] وقد أراد الله الإيمان، فوجب أن يتكون ذلك الإيمان بقوله: كُنْ فيكُونُ وذلك عبارة عن تكوين الله إياه. فدل هذا النص:
على أن إيمان العبد، وجميع طاعاته، حصل بتكوين الله وإيجاده.
الحجة السادسة: قوله تعالى: ولا تُطِعْ منْ أغْفلْنا قلْبهُ عنْ ذِكْرِنا [3] وذلك لأن قوله: أغْفلْنا على وزن قوله: أحيينا وأمتنا. فكما أن هذا يفيد خلق الحياة، فكذا قوله: أغْفلْنا وجب أن يفيد خلق الغفلة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد بقوله: أغْفلْنا قلْبهُ عنْ ذِكْرِنا إنا وجدنا قلبه غافلا. ولا يكون المراد منه: خلق الغفلة. والدليل عليه: ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي، أنه قال لبني سليم: «قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم» أي: ما وجدناكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين.
ثم نقول: حمل هذا اللفظ، على هذا المعنى: أولى. والدليل عليه:
أنه لو كان المراد، هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا، لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا. فاتبع هواه. لأن هذا على هذا التقدير يكون من أفعال المطاوعة. وهي إنما تعطف بالفاء، لا بالواو. ومنه قولهم: كسرته
(1) سورة الحج، آية: 14.
(2) سورة النحل، آية: 40.
(3) سورة الكهف، آية: 28.