فهرس الكتاب
[254] الخامس: إن ميل القلوب إلى أهل الدين، والطاعة، أكثر من ميلها إلى أهل الدنيا، وكل ذلك يدل على أن كل من كان أوغل في عبودية الله، كان أقرب إلى الخيرات، ولما رأينا بحسب هذه التجربة أن الإقرار بالإلهية، والاعتراف بوجوب الطاعة والخدمة، كمال السعادات في الدنيا. فهذا من أدل الدلائل على وجود الإله الرحيم الحكيم.
وهذا النوع من الدلائل كثير في القرآن العظيم. قال الله تعالى: لقدْ كان فِي قصصِهِمْ عِبْرةٌ لِأُولِي الْألْبابِ [1] وقال: كمْ تركُوا مِنْ جنّاتٍ وعُيُونٍ إلى قوله: فما بكتْ عليْهِمُ السّماءُ والْأرْضُ، وما كانُوا مُنْظرِين [2] .
وبالجملة: فلما دلت المشاهدة والتجربة على أن الاعتراف بهذه المعاني سبب لانفتاح أبواب السعادات [والإعراض عنها سبب لانفتاح أبواب الآفات] [3] علمنا أن الطريق الحق والمنهج الصدق هو الإقرار بوجود الإله الحكيم الرحيم. فهذا هو الإشارة إلى الدلائل المستنبطة من علم التواريخ على وجود الإله لهذا العالم.
الطائفة الثانية: طوائف أصحاب الرياضيات وأرباب المكاشفات:
واعلم أن طريقهم يدل على وجود الإله الحكيم الرحيم من أنواع:
النوع الأول:
أن نقول: إن صريح العقل شاهد بأن الموجودات على ثلاثة أقسام: الأجسام، وصفات الأجسام، والذي لا يكون جسما ولا حالا في الجسم.
أما القسمان الأولان فهما اللذان يسميان الجسمانيات.
وأما القسم الأخير: فهو المسمى بالروحانيات، فثبت بهذا التقسيم: أن الموجودات إما جسمانية، وإما روحانية. إذا عرفت هذا فنقول: إن فطرة جميع
(1) يوسف 11.
(2) الدخان 29.
(3) من (ز) .