فهرس الكتاب
[255] العقلاء الكاملين تشهد بأن الموجودات الروحانية موجودة. وأنها مع كونها موجودة فهي أعلى، وأكمل وأشرف من الموجودات الجسمانية.
والذي يدل على ما ذكرناه وجوه اعتبارية.
فالأول [1] : إن كل إنسان كان استغراقه في حب الجسمانيات أكثر، وكان شغفه بوجدانها والوصول إليها أشد، كان عند العقلاء من الناس أكثر حقارة وأكمل خساسة، وكل من كان إعراضه عن الجسمانيات أكثر، وكان التفاته إليها أقل، وكان شغفه بالفكر في طلب المعارف أتم، كان عند كل الخلق أعلى حالا، وأكمل درجة. والذي يقرر هذا: أنهم إذا اعتقدوا في إنسان أنه جعل أيامه وذكره، وفكره وقفا على تحصيل المطعوم والملبوس والمنكوح، وصار بالكلية معرضا عن الأحوال الروحانية، فإن كل عاقل يقضي عليه بأنه من البهائم، وأنه خارج عن صفة [2] الإنسانية، وينظرون إليه بعين الحقارة والإهانة، ولا يقيمون له في نظرهم البتة [3] وزنا.
وأما إذا اعتقدوا فيه أنه معرض عن طلب هذه الجسمانيات، وقليل الميل إليها، وعديم الالتفات إليها، فإنهم يعظمونه ويعترفون له بوجوب التعظيم والاعتراف بالتقديم.
واعلم: أن هذا الحكم غير مختص بالعقلاء والأكياس من الناس بل جميع طوائف أهل العالم مطبقون متفقون على هذا الحكم، وهذا يدل على أن جميع الخلق مطبقون على تحقير الجسمانيات، وعلى تعظيم الروحانيات. بل نقول:
إن الأجلاف من الترك والهند والزنج، مقرون بهذه الأحوال، لأنهم يحترمون شيوخهم ويعظمونهم، وما ذاك إلا أنهم اعتقدوا فيهم أنهم بسبب طول العمر عرفوا ما لم يعرفوه، ووقفوا على ما لم يقفوا عليه، فلأجل هذا الخيال يحترمونهم حتى إذا أحسوا من بعض الشيوخ بأفعال لا تليق بالمشايخ، فإنهم يبالغون في
(1) هذا هو النوع الأول. والنوع الثاني يأتي بعد قليل، وهو عن الجسمانيات.
(2) مرتبة (س) .
(3) من (ز) .