[319] إذا عرفت هذا فنقول: إنا لما بينا بالبرهان القاطع كونه تعالى واجب الوجود لذاته، فحينئذ يلزم كونه قديما أزليا باقيا سرمديا. إلا أنا نريد أن نذكر مذاهب الناس في هذا الباب، وطرقهم. ليكون هذا الكتاب حاويا لكل ما قيل في هذا الباب. فنقول: للمتكلمين في هذا الباب طريق، وللفلاسفة طريق آخر. أما المتكلمون فإنهم لما أقاموا الدلالة على حدوث هذا العالم الجسماني قالوا: العالم محدث، وكل محدث فله محدث. فالعالم له محدث ثم قالوا: ذاك المحدث إن كان محدثا كانت [علة] [1] الافتقار إلى المحدث حاصلة فيه، وحينئذ يلزم افتقاره إلى محدث، والكلام فيه كما في الأول، فيلزم إما الدور وإما التسلسل، وهما باطلان.
فيثبت أن القول بأن صانع العالم محدث يفضي إلى الأقسام الباطلة [2] فيكون القول بحدوث الصانع باطلا، فوجب الجزم بكونه أزليا قديما. ثم يقيمون الدليل على أن ما ثبت قدمه، امتنع عدمه وعند هذا يحكمون بأنه تعالى كما أنه قديم أزلي، فكذلك يجب أن يكون باقيا سرمديا.
فهذا تقرير كلامهم.
ولقائل أن يقول: إن هذا الذي ذكرتم لا يدل البتة على أن خالق هذا العالم يجب أن يكون قديما وبيانه من وجوه:
أحدها: أنه يقال: لم لا يجوز أن يقال: إن الإله الذي هو واجب الوجود لذاته خلق موجودا آخر، وخلق فيه القدرة على إيجاد الأجسام. وذلك الشيء الآخر هو الذي خلق هذا العالم الجسماني، وبهذا التقدير فإنه لا يكون خالق هذا العالم الجسماني قديما أزليا. بل يكون محدثا مخلوقا، وخالقه يكون قديما أزليا، وبهذا التقدير فالدور والتسلسل لا يلزمان البتة.
(1) من (س) .
(2) الثلاثة (س) .