فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 2479

[326] أيضا: باطل لأن تعذيب الإنسان لأجل أن يصل بسببه نفع إلى الغير ظلم، ولأنه ليس تعذيب هذا، لأجل اتصال النفع إلى الآخرين، أولى من الضد، فيثبت أن هذا التعذيب قبيح في العقول، بخلاف الشاهد، فإن السيد إنما يحسن منه تأديب عبده وتعذيبه في بعض الوجوه، لأن السيد يتأذى بإساءة العبد إليه، ويبقى حب الانتقام في قلبه، فإذا انتقم من ذلك العبد، فإنه يتخلص بسبب ذلك الانتقام من الغم الذي كان حاصلا في قلبه. وأيضا: فإذا أدب العبد وهذبه، عاد العبد إلى المواظبة على الأفعال النافعة لذلك السيد. أما الإله تعالى فإنه منزه عن الضرر الحاصل بسبب حب الانتقام، ومتعالي عن أن ينتفع بحسن آداب العبد، أو يتضرر بسوء أفعاله. فظهر الفرق. والله أعلم.

الحجة الخامسة: قال أهل العلم: نفرض امرأة كان لها ثلاثة أولاد، أحدهم مات في كبره وكان مؤمنا زاهدا، والثاني مات في كبره، وكان كافرا فاسقا. والثالث: مات في صغره. فسألوا أبا علي الجبائي رئيس المعتزلة عن حالهم. فقال: أما الزاهد ففي أعالي الجنة. وأما الكافر ففي دركات النار.

وأما الصغير فمن أهل السلامة. فقال السائل: إن أراد ذلك الصبي أن يذهب إلى درجات الجنة، في الموضع الذي هو موضع أخيه المؤمن الزاهد. هل يمكنه منه؟ فقال الجبائي: لا. لأنه يقال: إن أخاك إنما وصل إلى تلك الدرجات بسبب زهده وعلمه، ولم يحصل لك ذلك، فكيف تصل إليه؟ فقال السائل:

فلو قال ذلك الصبي: إلهي ليس الذنب مني، لأنك أمتني قبل البلوغ، بل كان من الواجب عليك أن تمهلني حتى إذا بلغت أتيت بالطاعات والعبادات الكثيرة مثل ما أتى به الأخ الزاهد. فقال الجبائي: إن الله تعالى يقول: كنت أعلم أنك لو بلغت لكفرت، ولصرت مستحقا للنار، فراعيت مصلحتك وأمتك قبل البلوغ حتى لا تكون من أهل النار. فقال السائل: فلو أن الأخ الكافر يقول: يا إلهي كما علمت من حال ذلك الأخر الصغير أنه لو بلغ لكفر، ولاستحق العقاب فكذلك علمت من حالي أن الأمر كذلك، فلم راعيت مصلحته؟ وما راعيت مصلحتي؟ فلما ذكر السائل هذا السؤال انقطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت