فهرس الكتاب
[342] ولا يجد من عقله البتة حسن ذم تلك الآجرّة، فيثبت أن حسن المدح والذم مقرر في العقول، مركوز في القلوب.
وليس لقائل أن يقول: إن هذه الأحكام تثبت بالشرع، وذلك لأن حسن هذه الأحوال وقبحها مقرر في عقل من لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
ولو كان هذا الحكم مستفادا من الشرائع، لكان الدهري والبرهمي، وجب أن لا يحصل في عقولهما هذه الأحكام وحيث علمنا بالضرورة حصول هذه الأحكام في عقول جميع الخلق، علمنا أن هذا الحكم غير مأخوذ من الشريعة.
وأيضا: إذا رأينا العقلاء يذمون على بعض الأحوال ويمدحون على بعضها. فإذا سألناهم وقلنا لهم: لم مدحتم هذا وذممتم ذاك؟ قالوا: إن هذا احسن إلينا، وذاك أساء إلينا. وهذا يدل على أنهم كما علموا ببديهة العقل حسن المدح والذم فكذلك علموا ببديهة العقل، أن المقتضى لحسن ذلك المدح هو الإحسان، وإن المقتضى لحسن ذلك الذم هو الإساءة، فيثبت بهذه التنبيهات: أن هذه الأحكام مقررة في بداءة العقول. (وهذا هو الوجه الأول) [1] الوجه الثاني: في بيان أن العلم بثبوت الحسن والقبح علم بديهي: أنا إذا فرضنا إنسانا دهريا ينكر الإله والنبوة، وفرضنا أنه كان مارّا في صحراء خالية عن الناس، فاتفق أنه عبر على إنسان أعمى، ورآه في نوع من أنواع البلاء، مشرفا على الهلاك، فإنه قد يرق قلبه عليه، ويحمله عقله على الإحسان إليه. فههنا رغبته في الإحسان إليه ليست لطلب الجزاء، فإن ذلك الرجل فقير، وليس لأجل الطمع في الثناء. لأن ذلك الرجل أعمى لا يعرفه، ولم يحضر هناك إنسان آخر، حتى يقال: إنه يروي تلك الواقعة ليمدحه سائر الناس، وليس أيضا لأجل الطمع (في تحصيل الثواب) [2] لأن ذلك الإنسان دهريّ، منكر للإله والنبوة والمعاد. فلما حصلت الرغبة العظيمة في الإحسان
(1) زيادة.
(2) من (س) .