فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 32

الحمد لله بالعشى والإشراق، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من وقع على محبته الإتفاق، وطلعت شموس أنواره في غاية الإشراق، وتفرد في ميدان الكمال بحسن الإستباق، الناصح الأمين الذي اهتدى الكون كله بعلمه وعمله، والقدوة المكين الذي اقتدي الفائزون بحاله وقوله، ناشر ألوية العلوم والمعارف، ومسدي الفضل للأسلاف والخوالف، الداعي على بصيرة إلى دار السلام، والسراج المنير والبشير النذير، علم الأئمة الأعلام، الآخذ بحُجُزِ مُصَدِّقيِّه عن التهافت في مداحض الأقدام، والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والآثام.

وبعد. فهذه نبذة مختصرة عن تصحيح حديث السجود على الحجر الأسود، وبيان صحة نسبته إلى النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال أبو محمد الدارمى (1865) : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ثُمَّ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟، فَقَالَ: رَأَيْتُ خَالَكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَفْعَلُهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ فَعَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ هَذَا.

وقال أبو بكر البزار (1/ 332/215) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو عَاصِمٍ نَا جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ المخزومي قال:: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، قلت: مَا هَذَا؟، قال: رَأَيْتُ خَالَكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، وقال: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَه ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، وقال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَه ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ.

وأخرجه كذلك ابن خزيمة (2714) ، والفاكهى (( أخبار مكة ) ) (76) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (5/ 74) جميعاًَ من طريق أبى عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله بن عثمان به بنحو حديث البزار.

وأخرجه الحاكم (1/ 625) من طريق أبى عاصم بإسناده ومتنه نحوه، إلا أنه قال (( جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم ) )، فتوهمه (( ابن الحكم السلمى ) )، فأخطأ.

قلت: وهذا إسناد متصل صحيح، رجاله ثقات كلهم. وقد أقام أبو عاصم النبيل إسناده، وجوَّد سياقه ومتنه، وإليه المرجع في صحة هذا الحديث. وجعفر بن عبد الله بن عثمان حجازى مخزومى ثقة. قال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ) ) (2/ 482/1963) : (( جعفر بن عبد الله بن عثمان بن حميد القرشي المخزومي الحجازي، يقال له: جعفر الحميدي. روى عن: عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير. روى عنه: أبو داود، وأبو عاصم، وعبد الله بن داود. أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إلىِّ قال: سألت أبى عن شيخ روى عنه أبو داود الطيالسي يقال له: جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي؟، فقال أبى: جعفر ثقة ) ).

وذكره البخارى فى (( التاريخ الكبير ) ) (2/ 194/2170) ، وذكر اختلاف أبى عاصم وأبى داود وعبد الله بن داود ثلاثتهم على اسمه، ثم قال: والقول ما قاله أبو عاصم.

وذكره مسلم فى (( الكنى والأسماء ) ) (1/ 484/1872) ، وكنَّاه أبا عبد الله.

وذكره ابن حبان فى (( الثقات ) ) (8/ 159/12741) .

وللحديث إسنادان آخران:

(الأول) قال أبو داود الطيالسى (28) : حدثنا جعفر بن عثمان القرشي من أهل مكة قال: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثم قال: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَبَّلَه وَسَجَدَ عَلَيْهِ، فقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قَبَّلَه وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثم قال عمر: لو لمْ أرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَه مَا قبِّلتُهُ.

وأخرجه كذلك أبو يعلى (1/ 192/219) ، والبيهقى (5/ 74) ، والضياء (( المختارة ) ) (1/ 384/173) جميعًا من طريق الطيالسى به.

وفى روابة أبى يعلى وحده (( جعفر بن محمد ) )، ولعلها تصحيف، فهى خلاف الثابت عن الطيالسى فى (( مسنده ) ).

وهكذا قال الطيالسى (( جعفر بن عثمان ) )، فلعله نسبه إلى جده، كما قال أبو بكر البيهقى، وإلا فهو خلاف المحفوظ (( جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، كما رجحه البخارى فى (( التاريخ الكبير ) )فقال: (( والقول ما قاله أبو عاصم ) ).

(الثانى) قال الفاكهى (( أخبار مكة ) ) (77) : حدثنا محمد بن أبان ثنا عبد الله بن داود الخريبي عن جعفر قال: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ الحديث بنحو رواية أبى عاصم.

هكذا أبهمه الخريبى (( عن جعفر ) )، فلم ينسبه.

والصواب من هذه الأوجه الثلاث، هو (( جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، إذ باقى الأوجه ترجع إليه بنوع تأويلٍ.

فإذا بان ذلك ووضحت دلالته، علمت أن تضعيف الشيخ أبى إسحاق الحوينى للحديث فى (( تنبيه الهاجد ) ) (1/ 71) غير سديد، وكذلك جزمه بوهم الحافظ الهيثمى لتجويده طريق البزار بعيد عن النظر الممعن لأسانيد الحديث، واختلاف الرواة الثلاثة عليه، وإقامة أبى عاصم النبيل إسناده وإتقانه متنه.

وسياقة الشيخ للحديث من طريقى أبى عاصم وأبى داود معًا (( عن جعفر بن محمد المخزومى ) )، يدل على عدم ملاحظة الفارق الواضح بين إسناد أبى عاصم، وإسناد الطيالسى، فقد أقامه الأول فقال (( عن جعفر بن عبد الله بن عثمان ) )، وقال الثانى (( عن جعفر بن عثمان ) )، وليس كما نقل الشيخ. ولهذا توهم الشيخ أبو إسحاق أنه (( جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر ) )، والصواب أن الحديث ليس له، وإنما هو لثقةٍ غيره كما أوضحناه!!.

والخلاصة، فهذا الحديث صحيح، وإسناد أبى عاصم غاية، وإليه المرجع وعليه الاعتماد في تصحيحه، كما حكم له الحافظ الهيثمى (( مجمع الزوائد ) ) (3/ 241) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت