بيان ضعف حديث ابن مسعود في ليلة الجن (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) )
الحمد لله الهادى إلى سبل الرشاد. نستعينه ونستهديه ونسترفده العون والسداد. وبعد ..
فهذا بيان حدبث ابن مسعود في ليلة الجن (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) ). وله ست طرق:
[الطريق الأولى] قال الإمام أحمد (1/ 398) : حدثنا يحيى بن إسحاق ثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَمَعَكَ مَاءٌ؟، قَالَ: مَعِي نَبِيذٌ فِي إِدَاوَةٍ، فَقَالَ: (( اصْبُبْ عَلَيَّ ) )، فَتَوَضَّأَ، قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، شَرَابٌ وَطَهُورٌ ) ).
أخرجه كذلك ابن ماجه (385) ، والبزار (1437) ، والطحاوى (( شرح المعانى ) ) (1/ 94) ، والطبرانى (( الكبير ) ) (10/ 63/9961) ، والدارقطنى (1/ 76/11،10) ، وابن الجوزى (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 52/32) من طرق عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود به.
ورواه عن ابن لهيعة: مروان بن محمد الطاطرى، ويحيى بن إسحاق السيلحينى، ويحيى بن بكير، وعثمان بن سعيد الحمصي، وأسد بن موسى. واكثرهم يقول (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) ).
وقال أبو بكر البزار: (( وهذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة، لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه، فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها. ولا نعلم روى ابن عباس عن عبد الله بن مسعود إلا هذين الحديثين ) ).
[الطريق الثانية] قال الترمذى (88) : حدثنا هناد ثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود قال: سَأَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ ) )، فَقُلْتُ: نَبِيذٌ، فَقَالَ: (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) )، قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ.
وأخرجه كذلك عبد الرزاق (1/ 179/693) ، وابن أبى شيبة (1/ 31/263) ، وأحمد (1/ 402،449،450،458) ، وأبو داود (84) ، وابن ماجه (384) ، وأبو يعلى (5301) ، والهيثم بن كليب (( المسند ) ) (822،827،828) ، وابن المنذر (( الأوسط ) ) (173) ، وابن حبان (( المجروحين ) ) (3/ 158) ، والطبرانى (10/ 66:63/ 9967:9962) ، وابن عدى (( الكامل ) ) (7/ 291) ، وابن شاهين (( ناسخ الحديث ومنسوخه ) ) (94) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (1/ 9) ، وابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (587) و (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 52/30) ، والمزى (( تهذيب الكمال ) ) (33/ 332) من طرق عن أبى فزارة العبسى عن أبى زيدٍ مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود بنحوه.
ورواه عن أبى فزارة: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، والثورى، وإسرائيل، وشريك النخعى، والجراح بن المليح الرؤاسى. وأكثرهم استقصاءًا لهذا الحديث: عتبة بن عبد الله المسعودى.
قال الإمام أحمد (1/ 458) : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني أبو عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي عن عبد الله بن مسعود قال: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ قَالَ: لِيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلا يَقُومَنَّ مَعِي رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِشِّ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ، وَأَخَذْتُ إِدَاوَةً وَلا أَحْسَبُهَا إِلا مَاءً، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ؛ رَأَيْتُ أَسْوِدَةً مُجْتَمِعَةً، قَالَ: فَخَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: قُمْ هَاهُنَا حَتَّى آتِيَكَ، فَقُمْتُ وَمَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَرَأَيْتُهُمْ يَتَثَوَّرُونَ إِلَيْهِ، قَالَ فَسَمَرَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا طَوِيلًا، حَتَّى جَاءَنِي مَعَ الْفَجْرِ، فَقَالَ لِي: مَا زِلْتَ قَائِمًا يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَمْ تَقُلْ لِي قُمْ حَتَّى آتِيَكَ!، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هَلْ مَعَكَ مِنْ وَضُوءٍ؟، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَفَتَحْتُ الإِدَاوَةَ، فَإِذَا هُوَ نَبِيذٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ الإِدَاوَةَ وَلا أَحْسَبُهَا إِلا مَاءً، فَإِذَا هُوَ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ ) )، قَالَ: ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْهَا، فَلَمَّا قَامَ يُصَلِّي أَدْرَكَهُ شَخْصَانِ مِنْهُمْ، قَالا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَؤُمَّنَا فِي صَلاتِنَا، قَالَ: فَصَفَّهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ لَهُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: هَؤُلاءِ جِنُّ نَصِيبِينَ، جَاءُوا يَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فِي أُمُورٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ سَأَلُونِي الزَّادَ، فَزَوَّدْتُهُمْ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَهَلْ عِنْدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ تُزَوِّدُهُمْ إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَالَ: قَدْ زَوَّدْتُهُمُ الرَّجْعَةَ، وَمَا وَجَدُوا مِنْ رَوْثٍ وَجَدُوهُ شَعِيرًا، وَمَا وَجَدُوهُ مِنْ عَظْمٍ وَجَدُوهُ كَاسِيًا، قَالَ: وَعِنْدَ ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُسْتَطَابَ بِالرَّوْثِ وَالْعَظْمِ.
قلت: أبو زيد مجمع على جهالته عند أهل الحديث، ومخالفة روايته للأصول من القرآن والسنن الصحيحة، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، وحديثه منكر لا يصح. وأما أبو فزارة العبسى راشد بن كيسان؛ فهو كوفى ثقة، له حديث فى (( صحيح مسلم ) ).
قال أبو أحمد بن عدى: (( سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) )رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله. وروى علقمة عن عبد الله أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: حدثنا يحيى بن يحيى ثنا خالد بن عبد الله عن أبى معشر عن إبراهيم عن علقمة. قال البخاري: حدثنا بشر بن الفضيل ثنا داود عن عامر عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن، قال: لا، ولكنا فقدناه ... الحديث. ورواه شعبة عن عمرو بن مرة قال فسألت أبا عبيدة: أكان عبد الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟، قال: لا )) .
وقال أَبو عيسى: (( وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ) ).
وقال ابن أبى حاتم (( الجرح والتعديل ) ) (9/ 373/1721) : (( أبو زيد مولى عمرو بن حريث. روى عن: عبد الله بن مسعود. روى عنه: أبو فزارة. سمعت أبا زرعة يقول: أبو زيد هذا مجهول لا يعرف، ولا أعرف اسمه ) ).
وقال ابن حبان: (( أبو زيد يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يدري من هو، لا يعرف أبوه، ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا؛ خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ولا يحتج به ) ).
وقال أبو أحمد بن عدى: (( وهذا الحديث مداره على أبى فزارة عن أبى زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود. وأبو فزارة مشهور، واسمه راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف القرآن. وقد رواه ابن لهيعة عن حنش عن أبى هبيرة عن ابن عباس عن ابن مسعود شبه من هذا المتن، وهو غير محفوظ أيضًا ) ).
وأما مخالفة الحديث للثابت من الأحاديث والآثار الصحاح أن أحدًا لم يشهد ليلة الجن مع رسول الله، لا ابن مسعود ولا غيره ففما يدل عليه، ما أخرجه مسلم (450) قال: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الأعلى عن داود عن عامر ـ يعنى الشعبى ـ قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن؟، فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن؟، قال: لا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ، فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: (( أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ ) )، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: (( لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ ) )، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ ) ). وحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ (( وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ ) )، ثم قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ.
وتخريج طرق هذا الحديث وأشباهه مما تنفى شهود الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن طويلة مستفيضة ويحتاج يسطها إلى مقام آخر، وبها يُعلّ حديث ابن مسعود هذا بجميع طرقه المذكورة.
قال أبو الوليد بن رشد (( بداية المجتهد ) ) (1/ 24) : (( ردَّ أهل الحديث هذا الحديث ولم يقبلوه، لضعف رواته، ولأنه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن. واحتجّ الجمهور لردِّ هذا الحديث بقوله تعالى (( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) )، فلم يجعل ها هنا وسطا بين الماء والصعيد، وبقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء إلى عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ) ).
[الطريق الثالثة] قال الإمام أحمد (1/ 455) : حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع عن ابن مسعودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ خَطَّ حَوْلَهُ، فَكَانَ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ مِثْلُ سَوَادِ النَّخْلِ، وَقَالَ لِي: لا تَبْرَحْ مَكَانَكَ، فَأَقْرَأَهُمْ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا رَأَى الزُّطَّ، قَالَ: كَأَنَّهُمْ هَؤُلاءِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَمَعَكَ مَاءٌ ) )، قُلْتُ: لا، قَالَ: (( أَمَعَكَ نَبِيذٌ؟ ) )، قُلْتُ: نَعَمْ، فَتَوَضَّأَ بِهِ.
وأخرجه كذلك الطحاوى (( شرح المعانى ) ) (1/ 95) ، وأبو يعلى (( معجم شيوخه ) ) (27) ، والدارقطنى (1/ 77/15،14،13) ، وابن شاهين (( ناسخ الحديث ومنسوخه ) ) (95) ، وابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (588) و (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 53/33) جميعًا من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع عن ابن مسعودٍ به.
وقال أبو الحسن الدارقطنى: (( علي بن زيد ضعيف. وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود. وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة ) ).
قلت: هو كما قال، أبو رافع عبد الله بن رافع مولى أم سلمة مدني تابعي ثقة، ولكن لا سماع له من ابن مسعود. وإنما علة الحديث وآفته على بن زيد بن جدعان سئ الحفظ ليس بالقوى، وكان رفَّاعًا كما وصفه شعبة.
[الطريق الرابعة] قال الدارقطنى (1/ 77/16) : ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا الفضل بن صالح الهاشمي نا الحسين بن عبيد الله العجلي نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي وائل سمعت بن مسعود يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الليل: (( أَمَعَكَ مَاءٌ يا ابنَ مسعودٍ ) )، قلت: لا، والله يارسول الله، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ ) )، فتوضأ به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأخرجه ابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (589) و (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 53/34) من طريق الدارقطنى به.
وقال أبو الحسن: (( الحسين بن عبيد الله هذا يضع الحديث على الثقات ) ).
[الطريق الخامسة] قال الدارقطنى (1/ 78/17) : نا عمر بن أحمد الدقاق نا محمد بن عيسى بن حيان ثنا الحسن بن قتيبة نا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عبيدة وأبي الأحوص عن ابن مسعود قال: مر بي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: (( خذ معك إداوة من ماء ) )، ثم انطلق وأنا معه، فذكر حديثه ليلة الجن ... قال: فلما أفرغت عليه من الإداوة، فإذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ!، فقال: (( تمرة حلوة، وماء عذب ) ).
وأخرجه ابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (590) و (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 53/35) من طريق الدارقطنى به.
وقال أبو الحسن: (( تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق. والحسن بن قتيبة، ومحمد بن عيسى ضعيفان ) ).
[الطريق السادسة] قال الدارقطنى (1/ 78/18) : حدثني محمد بن أحمد بن الحسن نا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان نا هشام بن خالد الأزرق ثنا الوليد نا معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن جده أبي سلام عن فلان بن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بوضوء، فجئته بإداوة، فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأخرجه ابن الجوزى (( التحقيق في أحاديث الخلاف ) ) (1/ 54/36) من طريق الدارقطنى به.
والخلاصة: كل طرق هذا الحديث واهية لا ينتهض بمثلها الحجة، وهى مخالفة للثابت الصحيح أنه لم يشهد أحد من الصحابة ليلة الجن من رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[إيضاح] قال أبو جعفر الطحاوى: (( ذهب قوم إلى أن من لم يجد إلا نبيذ التمر في سفره توضأ به. واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يتوضأ بنبيذ التمر، ومن لم يجد غيره تيمم، ولا يتوضأ به. وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف. وكان من الحجة لأهل هذا القول على أهل القول الأول أن هذه الطرق التى ذكرنا من حديث ابن مسعود لا تقوم بها الحجة ) ).