كما مر بنا ذكر حال أبي داود السجستاني عند خياطة ثيابه، حينما كان يضع أحد أكمام ثوبه واسعًا؛ ليضع فيه الكتب، فقد كان رحمه الله محبًا للقراءة، فلا يذهب إلى مكان لقضاء حاجة دنيوية أو أخروية، إلا ووضع الكتاب في كمه لقراءته أثناء فراغه.
وإليك ما صار من حال أبي بكر الأنباري، حيث دخل عليه الطبيب في مرض موته، فنظر إلى مائه فقال: قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحد، ثم لما هم بالخروج قال له أبو بكر: ما يجيء منه شيء، فقال له: ما الذي كنت تفعل؟ فقال الأنباري: «كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة» فيا لها - والله - من همة عالية في القراءة وطلب العلم.
وها هو الفتح بن خاقان كان يحضر في مجلس المتوكل، فإذا ما قام المتوكل لحاجة، أخرج ابن خاقان كتابًا من كمه وراح يقرأ فيه حتى يعود.
وإن عجبت فأعجب من حال الحافظ ابن الجوزي وهو يحدَّث عن حاله في سفره الماتع: صيد الخاطر، فيقول: «فسبيل طالب الكمال في طلب العلم: الإطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب