المبحث الثاني
حال السلف مع القراءة
إن تاريخنا الوضّاء يحمل في طياته الكثير من الصفحات المشرفة عن حب سلفنا الصالح للقراءة، وولعهم بقراءة الكتب، وكان لهم في ذلك نوادر كثيرة، وإليك نتفًا يسيرة لأحوال بعضهم؛ لعلها توقظ هممنا إلى إدراك ما وصلوا إليه.
فهذا عبد الله بن المبارك رحمه الله - وهو من أتباع التابعين - يجيب على سؤال بعض أصحابه الذين افتقدوه في مجلسه، فيقولون له: ما لك لا تجالسنا؟ فيجيب عليهم: «أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين» ويشير إلى كتبه، موضحًا أنه يقرأها.
وها هي زوجة الزهري تشتكي من كثرة مطالعة زوجها لكتبه، فتقول: «والله إن هذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر» ، وهذا دليل كبير على حب الإمام الزهري للقراءة وكثرة المطالعة؛ حتى أصبح أحد الفقهاء والأعلام المشهورين في المدينة النبوية.
ومصعب الزبيري يحدَّث عن حاله، وقد بالت الفأر على كتبه فيقول: «كنت أقرأ ما استبان منها وأدع ما لا أعرفه» .