وها نحن أولاء في دار الدنيا، فهل نجتمع جميعًا ولا نتفرق، ونتحاب، ولا نتخاصم، ما دام هذا مصيرنا؟
الموت يعُمُّنا ...
والقبر يضمُّنا ...
والقيامة تجمعنا ...
والله يحكم بيننا، ويفصل فينا، وهو أحكم الحاكمين [1] .
يحكى أن الرشيد لما اشتد مرضه أحضر طبيبًا طوسيًا فارسيًا، وأمر أن يعرض عليه ماؤه - أي بوله - مع مياه كثيرة لمرضى، وأصحاء، فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيد، فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي، فإنه قد انحلت قواه، وتداعت بنيته. ولما استعرض باقي الماء شعر بقدوم الموت فنقلوه حيث فاضت روحه، فيئس الرشيد من نفسه، وأنشد:
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان أبرأ مثله فيما مضى
مات المداوي والمداوَى والذي ... جلب الدوا أو باعه ومن اشترى
وبلغه أن الناس أرجفوا بموته. فاستدعى حمارًا وأمر أن يحمل عليه، فاسترخت فخذاه. فقال: أنزلوني صدق
(1) «عذاب القبر ونعيمه وعظة الموت» لعبد اللطيف عاشور ص 7 - 8.