القرآنية للتدليل على صدق القرآن وإعجازه) [1] ولعل هذه المواقف المتضاربة الواقعة بين طرفي نقيض قد عمرت عندنا طويلا حتى يمكننا وسمها بالخلود في الموقف من الإعجاز الذي إنما هواستجابة لأمر الله في التدبر عبر مختلف العصور والعلوم والتخصصات والفنون. فلنتأمل كيف يكون الكلام أحيانا ضربا من العبث، إذ كيف يعقل رفض ما يخدم كتاب الله تعالى من سائر أنواع التدبر، وما المانع منها إذا كانت مجرد اجتهادات وتأويلات من أولي العلم وأهل الفن وذوي التخصص.
ولنتأمل في قوله تعالى: (والَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور.) [2] تأملت في هذه الآيات البينات، فإذا التشبيه قمة في البلاغة، إذ يستغرب الإنسان من كفر العلماء والعقلاء من بني البشر، كيف يعقل أن يكفروا بما أنزل الله، وبين أيديهم الحجج القواطع، وهم أصلا من يصل إليها، ويحقق فيها، إلا أن تكون تلك الأيادي، وقد لامست ولمست الحقيقة حسا وتجربة، هي في ظلمات مطبقة، لا يكاد يراها صاحبها، وكأنها ليست له بيد. فما أحلكها من ظلمات هاته التي تحجب الحقيقة عن اليد وصاحبها، فما بالك ببصره، وبصيرته، وقد غشاها الظلام والظلام والظلام الدامس الذي لم يعد معه أي نور ينفع، أعاذنا الله من الضلال البعيد. فهاهم أهل الكتاب قبلنا، ألم يكن الكتاب، والمعجزات البينات بين أيديهم، ومع ذلك أبوا إلا أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فصاروا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بأصحاب
(1) - الإشارات العلمية والإعجاز القرآني: 639 د. حسن الطوير. بحث منشور في مجلة كلية الدعوة الإسلامية في طرابلس الغرب: العدد العشرون سنة 2003
(2) - سورة النور الآية 49