الصفحة 18 من 24

فإنك إذا نظرت لم تشك في الأصل والأساس هو قوله: وما حملت أم امرئ، وأن ما جاوز ذلك من الكلمات إلى آخر البيت مستند إليه ومبني عليه وأنك إن رفعته لم تجد لشيء منها بيانا ولا رأيت لذكرها معنى بل ترى ذكرك لها إن ذكرتها هذيانا [1] قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك وتعمل رويتك وتراجع عقلك وتستنجد في الجملة فهمك. [2]

ولنتأمل أكثر عند تحليله للآيات وتمثيله بها واحتجاجه بالدليل يستنهض بذلك الهمم لدى فاقدي الذوق اللساني والبياني من المفسرين.

وفي قوله تعالى (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) أي لمن كان أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر فيه.

فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه، كما جعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤديان إليه ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة بمنزلة من لا سمع له ولا بصر.

فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة.

فأما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كأن القلب اسم للعقل كما يتوهمه أهل الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام فمحال باطل لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية وإلى تحريف الكلام عن صورته وإزالة المعنى عن جهته. وذاك أن المراد به الحث على النظر والتقريع على تركه وذم من يخل به ويغفل عنه ولا يحصل ذلك إلا بالطريق الذي قدمته

(1) - دلائل الإعجاز ص: 330

(2) - دلائل الإعجاز ص: 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت