الصفحة 2 من 24

فكانت القابلية للتعلم مودعة في آدم حتى يتسنى له سبر أغوار الكون الذي سيعيش بين أرجائه، عالما مكرما حرا لا يستعبده هوى ولا شيطان. فكان الدرس في البداية من الخلق، وكان الدرس من الجنة، وكان الدرس من مقاساة الشهوة، وكان الدرس من مكابدة الوسوسة والغواية. وكان الدرس من التوبة والإنابة، وكان الدرس من تعليم العليم الحكيم شاملا لأصناف الخلق جميعهم إنسا وجنا وملائكة. فنزل الجميع إلى الأرض باستثناء الملائكة بعد هذا التعليم وبعد هذا التعميم، ليكون التمحيص، وليبلو بعضهم ببعض، وليميز الله الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب ولتكون العودة في النهاية إلى الجنة أو النار تبعا لنتائج الاختيار والاختبار.

من هنا كان موضوع المداخلة قضية أساس ربما هي لب القضايا، إنها قضية العقل والقلب ومكانهما من الإنسان، الإنسان الذي ينسى قيمته ومكانته عند الله، فينحرف عن المسار، ويضل عن الطريق، ويعطل القلب عن وظيفته، ويقصي العقل عن عمله، فيقع في ظلمات بعضها فوق بعض، تحجب عنه الحقيقة، وتدلس منه الرؤية، فتلتبس عليه الأمور، ولا يعود يرى شيئا.

فيقع فريسة للشيطان يتلاعب به كيف يشاء، فيكفر بربه ويجحد نعمة خالقه، ويظلم الناس ويسفك الدماء ويفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، بل ويتجرأ أكثر، فيحرف الكلم عن مواضعه، ويسمي ذلك كله منه إصلاحا.

مذ خلق الله آدم وأنزله إلى الأرض ليكمل الامتحان، بعد أن تعلم ووعى الدرس، بأن يتجنب الغرور بالنجاح في أول الأمر. ومذ أسند الله إلى آدم الخلافة، لينوب عنه في الحكم فيحكم بما علمه الله. ومذ اصطفاه الله لهذا الدور الجلل، ليحكم بين الناس بالعدل، ويحافظ على النسل، وعلى التكريم للنفس البشرية. ويحاكم بحكم الله، من استسلم للغواية ومن وقع تحت تأثير التدليس والتلبيس من إبليس، وينزل عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت