واستغل أصحاب المصالح والنفود الفرصة، واختاروا الجدل أسلوبا للحجاج والسفسطة أملا في الخلود، وموهوا الحقيقة وأخفوها وحجبوها عن الأنظار، ونازعوا أهل الإيمان واليقين في الدين، وظنوه سلما للمصالح، وأرادوا الآخرة بالدنيا، فسعوا إليها مكابرين ومنافقين.
ونازعوا الرسل عليهم السلام الدين والرسالة وتمادوا في غيهم وفي الضلال المبين وأدخلوا أنفسهم في ظلمات وظلمات ليس فيها بصيص من نور، بل أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، حتى يشاركهم الجميع في هذا الظلام الدامس، من آثار تدليس وتلبيس إبليس عليهم، بما كان يوحي إليهم من قاموسه في الكلمات الخبيثة، ليجادلوا بها رسلهم عليهم السلام، و ليحرفوا بها الكلم عن مواضعه، وليتلاعبوا بالمصطلحات، وليستمر مسلسل الظلام والضلال في التعمية على الحقيقة، وفي التمويه والتسفيه وفي خداع الأتباع والمقلدين الذين أبوا إلا أن يغلقوا آذانهم ويصروا ويستكبروا استكبارا.
فيستحوذ عليهم الشيطان، فينسيهم ذكر الله، فيصبحون حزب الشيطان وأولياءه، ويخسرون حتما المعركة، وينصر الله من ينصره من المؤمنين، الذين يعتبرون حقا من المنتصرين، على أنفسهم الأمارة بالسوء أولا، وعلى الشيطان ومكره ثانيا، وإن كان مكره وأتباعه مما تزول منه الجبال أو تكاد. نصر الله المؤمنين بالعلم الموصول بالله وبالدار الآخرة، وخذل الكافرين بالنعم والفضل، الناكرين للإحسان والمعروف من مبدعهم، الجاحدين لفضل من علمهم ووهبهم هذا العلم الذي هم به قد استخلفوا في الأرض ليعمروها عدلا وصدقا وبرا وكرامة وحرية ومساواة وإنصافا بعيدا عن أية عنصرية أو عنجهية.
(كلها) : نستشعر من هذه اللفظة معنى عظيما، نجده حتما بين كلمات المفسرين، وإن باهتا، أو مشتتا بين ثنايا الفهوم والتأويلات.