، لكنا نجهل معانيها فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا استثناء. وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم. ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنك إذا قلت خذ ذاك لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل والفرس والضرب والقتل إلا من أساميها لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل زيد أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة. وإذا قلنا في العلم واللغات من مبتدأ الأمر إنه كان إلهاما، فإن الإلهام في ذلك إنما يكون بين شيئين يكون أحدهما مثبتا والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيا والآخر منفيا عنه، وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من غير منفي عنه، فلما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم: كقولنا خرج زيد أو اسم واسم: كقولنا زيد خارج، فما عقلناه منه وهو نسبة الخروج إلى زيد لا يرجع إلى معاني اللغات ولكن إلى كون ألفاظ اللغات سمات لذلك المعنى وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أفترى أنه قيل لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء ثم إنا إذا نظرنا في المعاني التي يصفها العقلاء بأنها معان مستنبطة ولطائف مستخرجة ويجعلون لها اختصاصا بقائل دون قائل: كمثل قولهم في معان من الشعر إنه معنى لم يسبق إليه فلان وإنه الذي فطن له واستخرجه وإنه الذي غاص عليه بفكره وإنه أبو عذره لم تجد تلك المعاني في الأمر الأعم شيئا غير الخبر الذي هو إثبات المعنى للشيء ونفيه عنه. يدلك على ذلك أنا لا ننظر إلى شيء من المعاني الغريبة التي تختص بقائل دون قائل إلا وجدت الأصل فيه والأساس الإثبات والنفي وإن أردت في ذلك مثالا فانظر إلى بيت الفرزدق (الطويل)
وما حملت أم امرئ في ضلوعها ... أعق من الجاني عليها هجائيا