الصفحة 16 من 24

التحدي، ولو كان العرب مصروفون اضطرارا، فهل هناك من معنى لإقامة التحدي عليهم بالإتيان بمثل هذا القرآن، ولو في عشر آيات منه، ومطالبتهم بالإتيان بمثله في آيات وآيات من الذكر الحكيم.

يقول الباقلاني: (نظم القرآن يجمع بين الوجوه الكثيرة، فيجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمتناسب بينما يتفاوت كلام الفصحاء تفاوتا بينا في ضم وجمع الكلام المتنافر) وفي الإعجاز في المعنى والحكم والتركيب في خضم الجدل والمحاججة للملحدين، يقول الباقلاني: (المعاني التي تضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع) [1]

ولو فقهوا ما كان يرمي إليه ما جادلوه، لأنه أكد على أن الإعجاز يتم من حيث علاقة اللفظ بالمعنى وليس من حيث هو لفظ مفرد فقط، وأن الألفاظ إنما تتم لها المعاني إذا فهمت من السياق الذي وردت فيه كاملا وليس مفصولة عن بعضها.

يقول الجرجاني في هذا المعنى: بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه اعتمادي اعلم أن هاهنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من آخر وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد وهذا علم شريف وأصل عظيم ... والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته. وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لتعرفها بها حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا رجل وفرس ودار لما كان يكون لنا علم بمعانيها. وحتى لو لم يكونوا قالوا فعل ويفعل لما كنا نعرف الخبر في نفسه ومن أصله ولو لم يكونوا قد قالوا افعل لما كنا نعرف الأمر من أصله ولا نجده في نفوسنا، وحتى لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف

(1) - إعجاز القرآن: 38 - 42 للباقلاني تـ 403 هـ تحقيق السيد أحمد صقر نشر دار المعارف مصر. الطبعة الثالثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت