كيف يحافظون على تقاليدهم الموروثة، وقيمهم التقليدية، وسلوكهم الاجتماعي المميز،
فلم يتنازلوا عنها حين كانوا في أمس الحاجة إلى إستيراد التكنولوجيا والعلوم الغربية المتطورة. فتمسكت العائلة اليابانية بكثير من تقاليدها في تربية الأطفال، وطريقة الزواج التقليدي، إلى جانب الزي الموحد لكثير من عمال الشركات وموظفيها. هذا بالإضافة إلى
روح الجماعة (The Groupism) والحفاظ على قيم التراتبية الاجتماعية والوظيفية والتضحية الفردية في سبيل الجماعة والوطن، واحترام التقاليد الأخلاقية الاجتماعية الموروثة (ظاهر، 2002: 18) .
ولذلك نجحت اليابان في تدشين تجربة نهضة ثانية أكثر أهمية من الأولى قدمت من خلالها للعالم نظمًا فاعلة للإدارة وأجهزة للكمبيوتر بالغة الحساسية والدقة، فضلا عن سلسلة طويلة من المخترعات الهائلة تبدأ بأضخم ناقلات البترول العملاقة وسفن صيد السمك المذهلة، مرورا بالسيارات وأجهزة التليفزيون والفيديو وكاميرات التصوير والساعات، والغسالات والثلاجات بل والأقمشة والأطعمة المحفوظة وغيرها.
ومع أن القادة اليابانيين اليوم قلقون من أن تتحول اليابان إلى مجتمع ما بعد صناعي تضعف فيه دوافع الإنجاز والتنافسية، لا سيما، أن الجيل الياباني الذي أنجز معجزة النهضة المعاصرة قد أصبح كبيرا في السن مما يفسح المجال لجيل جديد قد يكون أقل حماسا تجاه قيم البشيدو التي جسدها نموذج الساموراي إلا أنه لا يتوقع حدوث تغييرات جذرية في الثقافة اليابانية في المستقبل القريب.
وعموما فقد حاولت هذه الدراسة إلقاء الضوء على بعض من أهم العوامل التي تفسر نجاح اليابانيين في بناء نهضة وتنمية حقيقية جعلت كثير من الدراسات الغربية تصفها بالمعجزة الاقتصادية بعد أن إتضح أن التجربة اليابانية تعتبر بحق تجربة غير عادية، إذ لم يحدث أن استجاب أي بلد آخر بسرعة ونجاح لتحدي تكنولوجيا الغرب المتفوقة في المجالين الاقتصادي والعسكري كما فعلت اليابان التي حققت قفزة تنموية نوعية خلال عقود قليلة رغم إفتقارها إلى الحدّ الأدنى من الموارد الطبيعية. وقد خلصت هذه الدراسة إلى أن نجاح التجربة اليابانية يعود إلى جملة من العوامل الهامة التي من بينها إهتمام اليابانيين الشديد بالتعليم، واحترامهم للحقوق المدنية والسياسية، وتقديرهم للجدارة والموهبة، وبنائهم مجتمعا متجانسا طبقيا وأثنيا حيث يسمو مفهوم اليابان على الولاءات الأخرى في المجتمع، واخيرا هناك عامل التخطيط للتنمية وتنفيذها وفقا لإطار القيم والتقاليد اليابانية. وقد تجسدت تلك العوامل بشكل واضح وجلي فيما يمكن أن نسميه