الصفحة 13 من 40

يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [1] ، وهذا العفو من الله تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون بعد خطأ وقع فيه [2] .

كما قرر الآمدي هذا القول، ونسبه لأكثر الأشاعرة، وقد فرق في الصغائر بين ما يحكم على فاعله بالخسة والدناءة، فهذا يمتنع على الأنبياء، وما ليس كذلك، وهذا قد يقع منهم، يقول موضحًا هذا، بعد أن قرر عصمة الأنبياء من الكبائر: (وأما ما ليس بكبيرة، فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة حبة أو كسرة، فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة، وأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب، فقد اتفق أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، على جوازه عمدًا وسهوًا .. ) [3] .

ولأبي العباس القرطبي كلام حسن في هذه المسألة، قال فيه: (والذي ينبغي أن يقال: إن الأنبياء معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلًا، كالكفر بالله تعالى، والكذب عليه، والتحريف في التبليغ، والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر، وعن الصغائر التي تزري بفاعلها .... ، واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل بالوقوع، ومن قائل بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصلوا منها، واستغفروا وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قيل ذلك آحادها، لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا مما يزري بمناصبهم على ما تقدم، ولا أكثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم،

(1) سورة التوبة: الآية (43) .

(2) روضة الناظر 2/ 421.

(3) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت