المبحث الرابع
أقوال أهل العلم في المراد باستيئاس الرسل - عليهم الصلاة والسلام-
قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [1] .
اختلف المفسرون فيما تعلقت به الغاية من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} بعد اتفاقهم على أنه محذوف، فقيل: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا فدعوا قومهم فكذبوهم، وصبروا، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم، حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقال بعضهم: التقدير وما أرسلنا من قبل إلا رجالًا فتراخى النصر عنهم حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقبل: التقدير وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا ثم لم نعاقب أممهم حتى إذا استيأس الرسل ... الخ، وقبل إن التقدير: لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء، فإن من قبلهم قد أمهلوا حتى يئس الرسل من النصر عليهم في الدنيا، أو من إيمانهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم في الطغيان من غير وازع [2] .
وقد أطال المفسرون وأهل العلم في الحديث حول هذه الآية، وتكلموا في تفسيرها بما فيه مقنع وغناء عن أن يوضح بغير لفظهم.
وقبل ذكر هذه الأقوال لابد من الإشارة إلى أنه قد تنوعت القراءات في قوله تعالى:"وظنوا أنهم قد كذبوا":
فقرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف:"وظنوا أ، هم قد كُذِبوا"، بضم الكاف وتخفيف الذال مع كسرها، بالبناء للمفعول، وهذه أيضًا قراءة ابن عباس، وابن مسعود - رضي الله عنهم-، والأعمس، وغيرهم.
(1) سورة يوسف: الآية (110) .
(2) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي 4/ 228، تفسير القرطبي 9/ 275، فتح الباري 8/ 367، تفسير أبي السعود 4/ 310، روح المعاني، للألوسي 13/ 68.