وبهذا الأصل نجيب على الاعتراض السابق، فإن التأسي بالأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - إنما يكون فيما أقروا عليه، ولا يقرون على مثل هذه الصغائر، ولا يستمرون عليها، فلم يمنع مثل ذلك من التأسي والاقتداء بهم [1] .
وفي نهاية هذا المبحث لابد من الإشارة إلى مسألة مهمة، لا صلة بما سبق وما سيأتي، ألا وهي أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بشر مخلوقون، تلحقهم خصائص البشرية، من المرض والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، والوقوع في الخطأ والنسيان، وغير ذلك، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال تعالى عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الرسل وأفضلهم: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [2] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" [3] .
إذا تقرر هذا، فينبغي أن يعلم أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عرضة للخطأ، لكنهم يمتازون عن سائر البشر بأن الله تعالى لا يقرهم على الخطأ بعد صدوره، ويعاتبهم عليه أحيانًا، كما أنه عصمهم عز وجل في تحمل الرسالة وتبليغها، فلا ينسون شيئًا، ولا ينقصون شيئًا، وهذه العصمة لا تلازمهم في كل أمورهم، فقد تقع منهم المخالفة الصغيرة، بحكم كونهم بشرًا، لكن رحمة الله تتداركهم، فينبههم إلى خطئهم، ويوفقهم للتوبة، ومثل هذه الأعراض البشرية الجبلية لا تنافي العصمة التي يستحقونها.
(1) انظر: مجموع الفتاوى 15/ 148، لوامع الأنوار 2/ 304 - 308، إرشاد الفحول، للشوكاني ص 69 - 71، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للفوزان ص 164 - 169، الرسل والرسالات، للأشقر ص 109 - 111.
(2) سورة الأعراف: الآية (188) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، 1/ 148 رقم (401) .