للعلم اليقيني، والقطع بوجوب الالتزام بما دلت عليه ألفاظه ومعانيه من الأمور المسلمة التي لا يماري فيها مسلم يعتقد وجوب الإيمان بهذا الكتاب، والالتزام به، واتباع ما ورد فيه، وتقديمه على ما سواه.
فهو خليق بأن تبذل في خدمته الجهود، وجدير بأن يستوفى في بيانه وإيضاح معانيه غاية المجهود، وقد ندبنا ربنا عز وجل لحفظه وتدبر معانيه، فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [1] .
كما حدثنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - على تعلمه وتعليمه، فقال:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" [2] . وقد استوقفني في هذا الكتاب العظيم آية كريمة، ربما أشكلت على بعض الناس، هي قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [3] .
والحديث عن معنى هذه الآية وتفسيرها يحتاج إلى تروٍّ وأناة، وفهم لكلام العلماء، خصوصًا وقد حصل الخلاف بين المفسرين في تفسيرها، بين من يرى أن استيئاس الرسل - عليهم الصلاة والسلام - كان من إيمان قومهم، ومن يرى أن استيئاسهم كان من أن يعذب قومهم، ثم اختلافهم تبعًا لذلك في المراد من قول الله عز وجل:"وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا"على أقوال، سيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى-.
وليس المراد في هذا البحث سرد أقوال المفسرين في هذه الآية، أو الاستدراك عليهم، معاذ الله، ولكني رأيت الحاجة قائمة لبيان بعض المسائل العقدية المتعلقة بهذه الآية، ومن ذلك الرد على ما قد يتوهمه بعض الناس من مخالفتها لعصمة الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، بل إن بعضهم قد
(1) سورة ص: الآية (29) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 346 رقم (5027) .
(3) سورة يوسف: الآية (110) .