وأن لا يتوصل إليه بطريق محرم، ولا شك أن الحوكمة تحقق مقصد هذه النصوص وتعتبر إحدى الآليات المطلوبة لتحقيق تلك المقاصد، ولذلك فإن هذه النصوص وغيرها دالة على وجوب الاحتكام إلى أي آلية أو وسيلة تحقق تلك المقاصد وعلى رأس تلك الآليات الحوكمة بمبادئها ومعاييرها المفضية إلى الشفافية والنزاهة.
و. ممارسة النبي - صلى الله عليه وسلم - للرقابة الإدارية التي تعتبر شكلًا من أشكال الحوكمة، ومن ذلك حديث ابن اللتبية، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمله على صدقات قومه من الأزد، فلما جاء حاسبه، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أمك وأبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا، ثم قام النبي فخطب في الناس فقال:"فإني استعمل الرجل منكم على العمل فيما ولاني الله فيأتيني فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت إليّ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا [1] . فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد حاسب ابن اللتبية، مع أنه مؤتمن على الصدقات وأوضح في الحديث أن قبول الهدايا في حق العمال لا يجوز، وأنه لو لم يكن عاملا ً لما أهدي إليه شيء [2] ."
ز. أفعال الصحابة ومن ذلك ما روي أنه لما قدم معاذ بن جبل، علي أبي بكر - رضي الله عنه - من اليمن، قال له أبو بكر - رضي الله عنه: ارفع حسابك، فقال: أحسابان حساب من الله وحساب منكم، والله لا ألي لكم عملًا أبدًا [3] . فها هو أبو بكر -رضي الله عنه- يطلب من معاذ -رضي الله تعالى عنه- أن يقدم حسابه وهذا شكل من أشكال الرقابة المالية والإدارية والتي تعد بدورها شكلًا من أشكال الحوكمة.
ح. ولأن إقامة العلائق بين أطراف العملية الإنتاجية على وفق الحق والعدل واستبعاد كل أشكال الترهل والفساد والتفلت الإداري هو أمر واجب ولما كان ذلك كله لا يتم على الوجه الأكمل إلا من خلال الحوكمة فإن الحوكمة في هذه الحالة تصبح واجبة من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)
(1) - أخرجه البخاري في كتاب الجمعة / باب من قال في الخطبة بعد العشاء: وأما بعد، برقم (925) ، وفي كتاب الزكاة / باب في قول الله تعالى (والعاملين عليه) برقم (1500) ، وفي كتاب الهبة/ باب من لم يقبل الهدية لعلة، برقم (2597) وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة /باب تحريم هدايا العمال/ برقم (1832) .
(2) - ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج 13، ص 140 - 142.
(3) - الخزاعي، تخريج الدلالات السمعية، تحقيق إحسان عباس ن 262.