فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ، فقيل: للتفنن في البلاغة )) ، ثم أضاف: (( وأحسن منه أن يقال: الظاهر من قوله:(مِنْ إِمْلَاقٍ) حصول الإملاق للوالد، لا توقّعه وخشيته، فُبدئ أولًا بالعد، برزق الآباء بشارة لهم بزوال ما هم فيه من الإملاق، وأما في آية (الإسراء) فظاهرها أنهم موسرون وإنما يخشون حُصول الفقر، ولذلك قال: (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) ، وإنما يُخشى الأمور المتوقعة، فبدأ فيها بضمان رزقهم )) [1] .
ونلحظ إن الله تعالى في سورة الأنعام قال: (مِنْ إِمْلَاقٍ) لأنهم فقراء، فالله تعالى يخاطبهم لطمأنتهم فقال تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} ، وإنما في سورة الإسراء فالخطاب مختلف، إذ قال تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} فبدأ بتطمينهم على أولادهم -أولًا- ثم خطابهم، وهذا من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.
ولعل سبب ما تقدم يعود إلى السياق في الآيتين الذي كان يقتضي تقديم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء بينما يقتضي في الآية الثانية تقديم رزق الأبناء على الآباء.
ومن الأغراض البلاغية الأخرى لأسلوب التقديم والتأخير التي وقف عندها ابن عادل التقديم للأفضلية، وذلك أن يقدم اللفظ، وإن كان حقه التأخير لأفضليته كتقديم السمع على البصر نحو قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} يونس: الآيتان 42 - 43.
فبعد أن وضح ابن عادل المراد من الآيتين الكريمتين، وعقد لها فصولًا، منها فصل ذكر فيه أفضلية السمع على البصر مشيرًا إلى قول ابن قتيبة إذ قال: (( احتج ابن قتيبة بهذه الآية على أن السمع أفضل؛ لأنه تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر، إلاّ ذهاب البصر، فكان السَّمع أفضل من البصر ) )، ثم ذكر قول ابن قتيبة فقال: (( واحتج ابن قتيبة بحجة أخرى فقال: كُلما ذكر
(1) ... اللباب: 8/ 509.