الصفحة 18 من 26

المطلب الرابع: السياق والفواصل القرآنية

للفواصل القرآنية أهمية كبيرة في المعنى، فضلًا عما فيها من نغم موسيقي ترتاح إليه النفوس وتميل نحوه [1] ، فلذا جاءت كثير من الآيات القرآنية منتهية بفواصل منسجمة مع بعضها [2] ، ولهذا اهتم العلماء بالفاصلة القرآنية، وجاءت بتسميات متنوعة منها رؤوس الآي، الفواصل، السجع.

والفواصل القرآنية لم ترد عبثًا في النص القرآني، بل لأغراض مقصودة في تقديم كلمة وتأخير أخرى، وحذف لفظة لدلالة ما تقدم عليها، وكذلك مراعاة للمعنى أو لكثرة الفواصل، وهذا كله يستدعيه سياق النص القرآني ويتطلبه.

وقد أشار ابن عادل إلى هذا عند تفسيره لقوله تعالى: {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} الأنفال: الآية 54، مبينًا سبب مجيء الفواصل، إذ قال: (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) جمع الضمير في (كَانُوا) ، وجمع: (ظَالِمِينَ) مراعاة لمعنى (كُلٌّ) لأن (كلًا) متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومعناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة للمعنى، لأجل الفواصل، ولو رُوعي اللفظ فقيل مثلًا: وكلٌّ كان ظالمًا، لم تتفق الفواصل )) [3] .

ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُور} فاطر: الآيات 19 - 21.

قال ابن عادل: (( وقدم الأعمى، لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما هو فيه، فلذلك قدمت الظلمة على النور، ولأن النور فاصل، ثم ذكر ما لكل منهما، فللمؤمن من الظل، وللكافر الحرور، وأخر الحرور لأجل الفاضلة كما تقدم ) ) [4] .

(1) ... ينظر: الفاصلة في القرآن، محمد الحسناوي: 155.

(2) ... ينظر: التعبير القرآني: 195.

(3) ... اللباب: 9/ 545.

(4) ... المصدر نفسه: 16/ 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت