الصفحة 19 من 26

وذكر ابن عادل رأي ابن الخطيب في مسألة التقديم والتأخير في القرآن الكريم الذي يرى أنه لم يأت لمجرد الفاصلة فحسب كما هو شأن الشعر، بل حصل من أجل المعنى لأن إعجاز القرآن يكمن في المعنى لا في اللفظ [1] .

ونتفق مع رأي ابن الخطيب من حيث إن الفواصل القرآنية تتعلق بمضمون الآية، وتناسب مع سياق نظمها، ولعل هذا متأت من الإعجاز القرآني. قال الزركشي: (( اعلم إن من المواضع التي يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره، وإيقاع الشيء فيها بما يشاكله ... وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك، ولكن منه ما يظهر، ومنه ما يستخرج بالتأمل للبيب ) ) [2] .

ونرى -أحيانًا- النص القرآني يبدل كلمة بكلمة أخرى مع أن الآيتين متشابهتان؛ ذلك لأن فواصل الآي في كل من الموطنين مختلفة، فيجعل في نهاية كل آية ما ينسجم موسيقيًا مع أخواتها. وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار} إبراهيم: الآية 34، وقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل: الآية 18.

ولا شك أن تناسب السياق كان وراء اختلاف الفاصلتين في الآيتين كما قال ابن عادل: (( وختمت هذه الآية(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار) ونظيرها في النحل بـ (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) ؛ لأن في هذه الآية تقدم قوله -عز وجل-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا} إبراهيم: الآية 28، وبعده {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} إبراهيم: الآية 30، فجاء قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ) شاهدًا بقبح مَنْ فعل ذلك متناسب ختمها بذلك )) [3] .

ثم تناول الآية الكريمة الأخرى فقال: (( والتي في النحل ذكر فيها عدة تفصيلات، وبالغ فيها، وذكر قوله -جل ذكره-: أَفَمَنْ

(1) ... ينظر: تفسير الرازي: 26/ 16 - 17، وينظر: اللباب: 16/ 125.

(2) ... البرهان في علوم القرآن: 65.

(3) ... اللباب: 11/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت