الله السَّمع في القرآن فإنه غالبًا يقدم السَّمع على البصر، فدّل على أن السّمع أفضل من البصر )) [1] .
وقد يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية (( وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية، فقدم ذلك المدى الأقل متدرجًا من القصر إلى الطول في المدى، ولذا حين قال موسى في فرعون: {إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى*قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} طه: الآيتان 45 - 46، فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب؛ إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريبًا منك، بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيدًا، وإن كان الله لا يندّ عن سمعه شيء ) ) [2] .
وقد يكون التقديم لغرض الاهتمام أو لكونه واجب التقديم كما في قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ} البقرة: الآية 133.
ورد في الآية الكريمة أكثر من تقديم ولأغراض مختلفة قال ابن عادل: (( والمشهور نصب(يعقوبَ) ورفع (الموتُ) ، قدّم المفعول اهتمامًا ... قوله (ما تعبدون) (ما) : اسم استفهام في محل نصب؛ لأنه مفعول مقدم بتعبدون، وهو واجب التقديم؛ لأن له صدر الكلام )) [3] .
وثمة أغراض أخرى للتقديم كالتقديم للاختصاص، وللعناية، وللتشريف، والتنبيه، وللتشويق، وغيرها، وقد أثرنا الاقتصار على ما تقدم خشية الإطالة [4] .
أولى البلاغيون أسلوب الذكر والحذف عناية خاصة كونه من طرق التعبير التي تثري المعنى وتعمقه، وقد قال الجرجاني عن الحذف: (( وهو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت
(1) ... اللباب: 1/ 338 - 339.
(2) ... التعبير القرآني: 56.
(3) ... اللباب: 9/ 449.
(4) ... ينظر: المصدر نفسه: 2/ 91، 5/ 486، 12/ 396، 9/ 449، 15/ 420 - 421.