الصفحة 20 من 26

يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ النحل: الآية 17، أي: مَنْ أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لم يقدر منها على شيء، فذكر أيضًا إن من جملة تفضلاته إنصافه بهاتين الصفتين )) [1] .

ونلحظ أن خاتمة كل من الآيتين تنسجم موسيقيًا مع الآيات فيهما، ولكن السياق أيضًا يقتضي الفاصلة التي فصلت فيها كل آية من الآيتين، ذلك أن الآية في سورة إبراهيم في سياق وصف الإنسان وذكر صفاته، فختم الآية بصفة الإنسان، وإن الآية في سورة النحل في سياق صفات الله فذكر صفاته وبهذا المعنى كان قول السيوطي [2] .

ومن بديع الفاصلة قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} القصص: الآيات 71 - 72، فانظر كيف ختم آية الليل بقوله: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) ، لأن الليل يصلح فيه السمع، وختم آية النهار بقوله: (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) لأنه صالح للإبصار [3] ، ونلحظ إن هذا المعنى نفسه قال به ابن عادل: (( واعلم أنه وإن كان السكوت في النهار ممكنًا، وابتغاء فضل الله بالليل ممكنًا إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره الله تعالى فلهذا خصه به ) ) [4] .

ثم بيَّن الغرض من هذا الاختلاف بين خواتم الآيتين فقال: (( إنما قال:(أَفَلَا تَسْمَعُونَ) ، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر، فلما لم ينتفعوا أنزلوا منزلة مَنْ لا يسمع ولا يبصر )) [5] .

ولا يختلف المفسرون كثيرًا عما ذهب إليه ابن عادل، فالسيوطي (ت 911 هـ) مثلًا يرى إن البلاغة اقتضت أن يقول: (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) لمناسبته ما بين السماع والظرف الليلي الذي يصلح

(1) ... المصدر نفسه.

(2) ... ينظر: معترك الأقران: 1/ 44، وينظر: التعبير القرآني: 220 - 221.

(3) ... ينظر: التعبير القرآني: 225.

(4) ... اللباب: 15/ 286.

(5) ... المصدر نفسه: 15/ 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت