كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ المائدة: الآية 6، فقد بيَّن ابن عادل المناسبة بين هذه الآية الكريمة المتقدمة وما افتتحت به إذ قال: (( اعلم إنّ الله تعالى افتتح السورة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة: الآية 1، فطلب الوفاء بعهد العبودية، فكأن العبد قال: يا إلهي، العهد نوعان: بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والكلام فقال: نعم أنا أوفي بعهد الربوبية والكرم ) ) [1] ، ثم أضاف: (( فلما تم هذا البيان فكأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب من منافع الدنيا، فاشتغل أنت بالدنيا بالوفاء بعهد العبودية، فلما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة، ولا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جَرَمَ بدا الله تعالى بذكر شرائط الوضوء ) ) [2] .
ولا يخفى على اللبيب العاقل جمال السياق القرآني الذي تضمنه النص من خلال التناسب بين الآيات المتمثل بهذا التعقيب الرائع، كما تجد سياق المناسبة بين مفتتح سورة إبراهيم وختامها الذي جاء متناسقًا مع السياق العام للسورة.
قال ابن عادل موضحًا هذا التنسيق: (( إما أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} إبراهيم: الآية 1، وإمَّا آخر السورة فقوله تعالى: {وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} إبراهيم: الآية 52، يدل على أنه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ لأجل أن ينتفع بها الخلق، فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية ) ) [3] .
ولا شك إن السورة الكريمة -وإن تخللها حكم وأمثال ومواعظ- فإن سياقها العام يدل على التهديد والوعيد للكافرين وترهيب بمشاهد يوم القيامة وأهوالها.
(1) ... اللباب: 7/ 216.
(2) ... المصدر نفسه: 7/ 217.
(3) ... اللباب: 11/ 421.