التقديم لا ترجع إلى ما ذكرنا أشار إليها الزركشي وذكر منها خمسة وعشرين لونًا [1] .
ومن الأسباب المهمة التي يتم من أجلها تقديم الألفاظ بعضها على بعض ما يقتضيه المقام وسياق القول، (( وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن ... الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه، بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير منسقًا مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة ) ) [2] .
وبيّن الأستاذ السامرائي المواطن التي تقتضي التقديم والتأخير فقال: (( إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة، فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل هذا مراعي فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة ) ) [3] .
وقد أشار ابن عادل لأسلوب التقديم والتأخير مبينًا أثر السياق في ذلك من خلال تفسيره لبعض آيات القرآن الكري، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر إن القرآن الكريم قد يقدم لفظة في مكان ويؤخرها في مكان آخر حسبما يقتضيه السياق، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} الأنعام: الآية 151، وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} الإسراء: الآية 31.
قال ابن عادل: (( في هذه الآية الكريمة قال:(نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فقدّم المخاطبين، وفي (الإسراء) قدّم ضمير الأولاد عليهم،
(1) ... ينظر: البرهان في علوم القرآن: 3/ 239.
(2) ... التعبير القرآني: د. فاضل صالح السامرائي: 53.
(3) ... المصدر نفسه: 53.