الدين المبدل اهتدوا إلى دين الإسلام، ولكنهم أعلنوها حربًا على الدين عامة ... وإذا كان هذا الذي حدث في بلاد الغرب النصراني ليس بغريب، فإنه غير ممكن في الإسلام، بل ولا متصور الوقوع، فوحي الله في الإسلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا هو ممكن التحريف والتبديل، ولا هو ممكن أن يُزاد فيه أو يُنقص منه، وهو في الوقت نفسه لا يحابي أحدًا، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، فالكل أمام شريعته سواء، وهو أيضًا يحافظ على مصالح الناس الحقيقية، فليس فيه تشريع واحد يُعارض مصلحة البشرية، وهو أيضًا يحرص على العلم ويحض عليه، وليس فيه نص شرعي صحيح يُعارض حقيقة علمية، فالإسلام حق كله، خير كله، عدل كله، ومن هنا فإن كل الأفكار والمناهج التي ظهرت في الغرب بعد التنكر للدين والنفور منه، ما كان لها أن تظهر، بل ما كان لها أن تجد آذانًا تسمع في بلاد المسلمين، لولا عمليات الغزو الفكري المنظمة، والتي صادفت في الوقت نفسه قلوبًا من حقائق الإيمان خاوية، وعقولًا عن التفكير الصحيح عاطلة، ودينًا في مجال التمدن ضائعة متخلفة.
دخلت العلمانية ديار المسلمين، مع الاستعمار الأوربي الذي هيمن على البلاد الإسلاميّة إثر سقوط الدولة العثمانيّة، وقد تحمّل الدعوة إلى العلمانيّة بعض المثقفين من العرب وغيرهم في بلاد الإسلام، ودعوا إلى تطبيق نظريّاتها حرفيّا، كما دعوا إلى تبنِّي نظرة العلمانيّة لدين الإسلام، كما كانت تنظر للدين النصرانيِّ المحرف في أوربا سواء بسواء، ذلك أن العلمانيّة لاتفرّق بين الأديان في أنه يتحتَّم فصل كلِّ منها عن شئون الحياة العامَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتشريعيَّة .. الخ.
وذلك أنَّه ليس في الفكر العلمانيّ تمييز بين الأديان، فلا يفرق بين دين أصله من إنزال الله تعالى، وآخر من وضع البشر، كما لا ترى العلمانيّة أي فرق في الأديان التي أنزلها الله، فلا فرق لديها بين دين محرف وآخر محفوظ، بل الأديان كلها سواء، يجب أن تعامل معاملة واحدة، على أساس الأركان الثلاثة السابقة.
وقد انتشرت العلمانية في بلادنا الإسلامية، حتى وصلت الجزيرة العربيِّة مهد الإسلام، ومهبط الوحي، ... ودخلت أول ما دخلت مع ابتعاث الطلبة للدراسة في الخارج، فرجع بعضهم مشبَّعا بالأفكار العلمانية، فتبنَّتها شخصيَّات بارزة، وأحزاب وصحف ومؤسسات كثيرة.
ولقد كان للنصارى العرب المقيمين في بلاد المسلمين دورٌ كبيرٌ، وأثرٌ خطيرٌ، في نقل الفكر العلماني إلى ديار المسلمين، والترويج له، والمساهمة في نشره عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، كما كان أيضًا للبعثات التعليمية التي ذهب بموجبها طلاب مسلمون إلى بلاد الغرب لتلقي أنواع العلوم الحديثة أثرٌ كبيرٌ في نقل الفكر العلماني ومظاهره إلى بلاد المسلمين، حيث افتتن الطلاب هناك بما رأوا من مظاهر التقدم العلمي وآثاره، فرجعوا إلى بلادهم محملين بكل ما رأوا من عادات وتقاليد، ونظم اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، عاملين على نشرها والدعوة