الصفحة 26 من 45

خافية - غالبًا- وسافرة - أحيانًا- هي التي تمثل الآن جوهر الصراع القائم بين الإسلام والجاهلية في العصر الحديث. وإن أخطر مراحل هذا الصراع هي مرحلة تعرية هذه القوى العلمانية القبيحة وفضحها أمام جميع المسلمين ليستبين لكل مسلم سبيل هؤلاء المجرمين الذين يحاولون خداعهم والقضاء عليهم

العلمانية والإيمان نقيضان، فإن الإيمان يقتضي الانقياد والإذعان لما جاء من عند الله، والعلمانية تقتضي التمرد على الوحي، والكفر بمرجعيته في علاقة الدين بالحياة، وإطلاق العنان للأهواء البشرية بلا حدود.

الإيمان يقتضي تعظيم شعائر الله وتقديس كتابه والتعبد بطاعته، والعلمانية تقتضي - كما سبق - نزع القداسة عن جميع المقررات الدينية، والتعامل معها باعتبارها مواريث بشرية بحتة تخضع لما تخضع له سائر المفاهيم البشرية من النقد والتعديل أو الإلغاء بالكلية في ضوء ما تقتضيه المصلحة البشرية البحتة.

والعلمانية بهذا النحو لا تجتمع مع أصل دين الإسلام، بل إن شئت الدقة لا تجتمع مع أصل دين سماوي بوجه من الوجوه، فهي شرك في التوحيد ونقض للإيمان المجمل، وهي ثورة على النبوة، وهدم لأصل الدين وحقيقة الإسلام.

العلمانية شرك في التوحيد:

العلمانية ثورة على النبوة:

العلمانية نقض لعقد الإيمان المجمل: فلا يثبت عقد الإيمان بمجرد التصديق الخبري، بل لابد من التكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد؛ ولهذا لما جاء نفر من اليهود إلى النبي × وقالوا: (نشهد أنك لرسول) لم يكونوا مسلمين بذلك؛ لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم فحسب، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال:"فلم لا تتبعوني؟"، قالوا: نخاف يهود!

يقول ابن القيم رحمه الله:"ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق، والثاني: محبة القلب وانقياده" [الصلاة لابن القيم: 19 - 20] .

ولا يخفى أن العلمانية بردِّها لشريعة الله، وامتناعها عن قبول ما أنزل الله قد أسقطت ركن الانقياد من حقيقة الإيمان، فتكون نقضًا للإيمان المجمل الذي لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه، ولا يبقى معها من الإيمان - إن بقيت على ادعائه - إلا التصديق الخبري المحض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت