والعلمانيون قد ارتكبوا ناقضًا من نواقض الإسلام، يوم أن اعتقدوا أن هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من هديه، وأن حكم غيره أفضل من حكمه.
* قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله: (ويدخل في القسم الرابع - أي من نواقض الإسلام - من اعتقد أن الأنظمة القوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببًا في تخلف المسلمين، أو أنه يُحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى) .
العلمانية قد لاتنصب العداء للدين علانية، بل تكيد له كيدًا خفيًا:
العلمانيّة ليست بالضرورة معادية للدين، بل إنَّها أحيانا تفضل توظيف الدين والإستفادة منه، ولكن مع ضرورة حصره في ناحية من نواحي الحياة، ولهذا قد لاتجد العلمانيّ يطعن في الدين، بل قد يمدحه ويمجده، بل قد يقول إنه يجب المحافظة على الدين.
ولكنك إذا سألته هل أنزل الله تعالى دين الإسلام ليكون هاديًا لنا في كل أمور حياتنا، فلا يجوز لنا أن نرفض شيئًا منه، فإن جوابه لايخرج عن ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يفر من الجواب إذا خشي على نفسه من التصريح بمنهجه العلمانيّ خوفا من ردة فعل الناس، كما يفعل السياسيّون عند خوفهم من خسارة الأصوات الانتخابية.
الثاني: أن يقول بوضوح وصراحة أن الدين يجب أن نعزله عن السياسة والثقافة والفكر، وعن حياتنا الإجتماعيّة، كما أنه لايصح أن نجعل الدين هو الحكم على كل شيء في الحياة بالصواب أو الخطأ، وهنا قد يقول العلمانيّ أن الدين له أن يحكم في أمور الروح ونحوها من الأمور الغيبيّة، فكأنَّه ينزل الدين منزلة الكهانة.
وقد يحاول هذا الصنف من العلمانيين أن يكون لطيفا في عبارته: فيقول: إن الدين علاقة بين الإنسان وربه، ولايعدو أن يكون مسألة شخصية.
وقد يحاول بعضهم أن يتحذلق قليلا فيقول: نحن لانريد أن نفسد الدين بإدخاله في السياسة أو الخلافات الحزبيّة والثقافيّة والفكريّة، ويقول في صورة الناصح الأمين: دعوا الدين في المسجد فهناك حيث يُحترم ويُوقَّر، ولاتلطّخوه بالدنيا الدنيئة، فالدين للآخرة.
وهذا القول حقيقته هدم لدين الإسلام وشتم قبيح له، وطعن خبيث فيه، لأنه في حقيقته رمي للدين بأنه قاصر لايصلح لتسيير حياة البشر، وما مَثَل هذا القول الماكر إلاّ كمثل من يشير على ملك من الملوك، بأن لايُقحم نفسه في التصرف في أمور مملكته بشيء.
ويقول له في كيد خفي: إن تدخلك يفسد هيبتك وجلالك، فدع أُمور المملكة لهؤلاء المتصارعين على الدنيا، وارتفع أنت في عرشك عن نزاعاتهم فهي لاتليق بك، فكأنه في حقيقة الأمر يقول للملك: تنح وتنازل عن سلطانك وأمرك ونهيك وملكك، وكن كالصورة الجامدة التي لاحراك فيها، والتمثال الأصم الأبكم، وإنما يقول ذلك لكي يُفسَح السبيل فيتسنَّى لغير الملك أن يستحوذ على قوِّة السلطان الحقيقيِّة، قوة الأمر والنهي والحكم والفصل في شئون المُلك والسلطان، ثم يصير أمر الملك إمّا إلى أن يكون اسما بلا حقيقة، أو يسلب منه الملك