وبين أن ادعاء الإيمان لا يصح مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء: 60] .
وتمدح الذين اجتنوا الطاغوت، وجعل لهم البشرى في كتابه الكريم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17] .
والطاغوت: هو ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:"الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" [أعلام الموقعين: 1/ 52] .
والعلمانية بما تعنيه من رفض الدخول في إطار التكليف، وخلع ربقة العبودية فيما يتعلق بأمور الدولة وسائر أمور الحياة العامة، وتعبيد أتباعها للأهواء المجردة، وعقد الولاء والبراء على ذلك، لاشك أنها من أظهر أنواع الطواغيت التي أمرنا بالكفر بها واجتنابها.
العلمانية حكم الجاهلية وعبودية للهوى:
لقد جعل الله طريقين للحكم لا ثالث لهما: حكم الله أو حكم الجاهلية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
وجاهلية الحكم لا تختص بزمان بعينه، ولكنها وضع تنظيمي يأبى التحاكم إلى ما أنزل الله، وهذا الوضع قد وجد بالأمس، ويوجد اليوم، وسيوجد غدًا، وحيثما وجد فهو حكم الجاهلية وإن توارى خلف لافتات من ادعاء التقدمية والاستنارة والتحضر.
وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ} [القصص: 50] .
وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] .
فلا مقابل لشريعة الله وما جاء به رسول الله × إلا أهواء الذين لا يعلمون، ولا توجد منطقة وسطى بينهما، ومتى خرج العبد من شريعة الله فقد دخل في عبادة الهوى من دون الله.
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 43، 44] .
قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .
والإنسان في هذه الحياة على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله، والعلمانية بما تقوم عليه من رفض