يقول: '' وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره '' فهجر المبتدع ليس على الإطلاق -فمثلًا-: إذا كان أهل السنة في مدينة من المدن، لا تزيد نسبتهم في هذه المدينة على واحد في الألف أو (1%) وواحد منهم اجتهد فأخطأ فهجرته لأنه مبتدع، أو نهجر هؤلاء الناس لأنهم مبتدعة، فمعنى ذلك أنك هجرت نفسك لأنه لا يوجد إلا أنت، وفلان وفلان وأنتم غرباء، فموضوع الهجر مرتبط -أيضًا- بالمصلحة والمفسدة.
ومن هنا لا إشكال ولا تعارض بين فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين ما فعله الصحابة أو التابعون في هذا الأمر، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هجر الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك، والجيش قوامه -على بعض الروايات- أربعون ألفًا، ولم يحدث قتال، والإسلام قد ظهر، ولا يضر الجيش أبدًا أنه نقص منه ثلاثة أنفار، وبعضهم كبير طاعن في السن، فلو حضر لربما لم ينفع بشيء، ولكن هجرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يهجر من تخلفوا عن بدر، ولا من تخلفوا عن الأحزاب، وهنا الحكمة تظهر، فكان الهجر وقت القوة ووقت الظهور ووقت الغلبة؛ لأن الحكمة أنك لا تكون شاذًا إذا أجمعت الأمة؛ والدين قد ظهر، فحتى المنافقون خرجوا مع الجيش، فتتخلف أنت على فضلك.
فهجره في مثل هذه الحالة يشعره بالشذوذ، حتى أقرب أقربائه لم يرد عليه السلام، فكان الألم شديد.