فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 55

المطلب الأول: لمحة موجزة في انتقاء الشيوخ عند الأئمة.

المقصود بانتقاء الشيوخ أن يتحرى المحدِّث في شيوخه فلا يروي عن كل أحد، ولا ينقل عن كل ضَرْب، وهذا اشتهر بعمله بعض الأئمة، ووُصِفَ به جملة من كبار المحدثين [1] ، وإلاَّ فالمشهور المتبَّع والمعمول به في الجملة عدم الانتقاء مع الحذر من التحديث عن الكذَّابين والمتروكين؛ إذ لا يمكن القول بوجوب الرواية عن الثقات فقط.

قال العَلاَئي:"والراوي لا يجب عليه ألاَّ يروي إلا عن ثقة، بل أطبق الرواة في كل عصر على الرواية عن الضعفاء، فتارة يبيِّنون حال الضعيف عند الرواية؛ كما قال الشعبي: حدَّثني الحارثُ الأعور وكان كذَّابًا، والغالبُ أنهم يكتفون بما يعرفه أهل الفن" [2] .

ووصف الواحد منهم بانتقاء الرواة، أو بكونه لا يحدِّث إلا عن ثقة هذا في الأعم الأغلب، وليس بالمطرد الذي لا ينعكس؛ إذ قد يحدِّث عمَّن هو مجروح، أو مُضَعَّف.

قال السَّخَاوِي:"مَنْ كان لا يروي إلاَّ عن ثقة إلاَّ في النادر: الإمام أحمد، وبقي بن مخلد، وحَرِيْز بن عثمان، وسليمان بن حرب، وشعبة، والشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومالك، ويحيى بن سعيد القطان ..." [3] .

ويقول ابنُ تيمية:"عادة المحدثين يروون جميع ما في الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتج من ذلك إلا ببعضه، والناس في مصنفاتهم منهم مَنْ لا يروي عمن يعلم أنه يكذب، مثل"

(1) جمعهم الوصَّابي في كتابه دراسات حديثية متعلقة بمن لا يروي إلا عن ثقة فبلغوا (134 راويًا) لكنه توسع جدًا سواء في إثبات هذا الوصف، أو في إدخال غير الأئمة ممن ليس له أثر في زمن الرواية وقرون حَمْلِ الحديث.

(2) جامع التحصيل ص (81) ، وينظر: التمهيد لابن عبد البر (1/ 6) .

(3) فتح المغيث (1/ 200 - 201) ، وينظر: المجروحين لا بن حبان (1/ 39 - 54) ففيه كلام نفيس عن انتقاء الأئمة في القرون الثلاثة، وأنها جادة أخذها اللاحق عن السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت